شرح‏مائةكلمة      جزء 1        صفحه‏ى 94     

و امّا السّبب الغالب فى ذلك فاعلم انّه لمّا كان الغالب على الخلق الغفلة و الجهل البسيط و كانت النّفوس الانسانيّة قد جبلت على محبّة البدن و كثيرا ما تكون مطيعة للقوى متّبعة للهوى مواظبة على اقتناء الكمالات الوهميّة و لم يكن لتلك القوى البدنيّة كما علمت حظّ فى ادراك الامور الكلّيّة بل لا تدرك الّا الامور الحاضرة المحسوسة الجزئيّة او المتعلّقة بالمحسوس و كان الغالب انّ وجود الابناء و غالب حياتهم و تصرّفاتهم فى زمان غير زمان الاباء لا جرم كانت نفوسهم اكثر انفعالا و اطوع لاخلاق زمانهم و عاداتهم و زيّهم و حالاتهم منها لعادات الآباء و حالاتهم لمكان المشاهدة للحال الحاضرة و المنادمة و الاتّصال و المعاشرة و الغفلة عن حال الآباء لاقلّيّة معاشرتهم و مصاحبتهم لتقضّيهم و اقلّيّة وجودهم فى زمان وجود الابناء حتّى انّ انسانا لو عاشر أبا صالحا و تأدّب بآدابه و تخلّق بأخلاقه ثمّ فقده و عاشر من له ضدّ تلك الاخلاق فانّه ربّما استنكرها فى اوّل الصّحبة ثمّ انّ نفسه بعد حين تنفعل عن تلك الاخلاق و تكتسبها لكثرة مشاهدتها و تكرّرها على قوى الحسّ و عقلة النّفس بها و تحلّل الاخلاق الاولى على التّدريج فربّما انسلخ بالكلّيّة عن تلك الاخلاق الصّالحة الى التّكيّف بضدّها و بالعكس و كذلك لو كان لابيه صنعة مستحسنة فى وجوده او لباس يليق بحاله من اهل زمانه و كذلك سائر العادات الّتى يعتادها ذلك الأب و يتخلّق بها و يليق بحال فى وقته ثمّ نشأ ولده فى وقت آخر بين آخرين المنكرين للزّىّ الاوّل و مستحسنين لزىّ ثان و عادة قد اكتسبوها غير الاولى فانّه لا يتزيّا الّا بذلك الزّىّ و لا يغيّر تلك العادة و لا يتخلّق بغير تلك الاخلاق الحاضرة دون اخلاق آبائه و عاداتهم، و لو فرضنا انّه نشأ عليها و تزيّا بها مدّة و تكلّف البقاء عليها فانّ طبعه لا بدّ و ان يقوده الى العادات و الاخلاق الحاضرة امّا كلّها او بعضها و ليس ذلك الّا لما قلناه من من كثرة المشاهدة و الاطّلاع الحسّىّ على الامور الحاضرة الّتى عليها أهل زمانه و انفعال النّفس بها و غفلتها عن الاحتراز بمراجعة العقل فى مراعاة أنفع تلك الاخلاق الماضية و احاضرة فى امر المعاش و المعاد و اكتسابه و اعتبار أضرّ تلك العادات و الحالات فيهما و اجتنابه حتّى لو كانت لاهل زمان مضى خلّة حميدة تقود الى الهدى و هى مستنكرة فى الزّمان الحاضر لم يلتفت فى ارتكابها الى انكار منكريها بل ارتكبها و واظب عليها، و لو كان لاهل زمانه عادة او حالة تقود الى ردى تركها، و ان كانت مستحسنة بينهم، و اللّه ولىّ الاعانة على الالتفات الى ما يرضيه و هو الموفّق.

شرح‏مائةكلمة      جزء 1        صفحه‏ى 220     

الرّابع-  انّه عليه السّلام وصف موضعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كيفيّة تربيته و ارشاده و تعليمه له فى آخر خطبته المسمّاة بالقاصعة، قال عليه السّلام مخاطبا للقوم: و قد علمتم موضعى من رسول اللّه بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة، وضعنى فى حجره و انا وليد و يضمّنى الى صدره و يكنفني فى فراشه و يمسّنى جسده و يشمّنى عرفه و كان يمضغ الشّى‏ء ثمّ يلقمنيه و ما وجد لى كذبة فى قول و لا خطلة فى فعل، و لقد قرن اللّه به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم و محاسن اخلاق العالم ليله و نهاره، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل اثر أمّه، يرفع لى فى كلّ يوم علما من أخلاقه و يأمرنى بالاقتداء به، و لقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء فأراه و لا يراه غيرى و لم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحى و الرّسالة و أشمّ ريح النّبوّة و لقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه صلّى اللّه عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرّنّة-  فقال: هذا الشّيطان قد ايس من عبادته انّك تسمع، ما أسمع، و ترى ما أرى، الّا انّك لست بنبىّ و انّك لوزير و انك لعلى خير.

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 1          صفحه‏ى 50     

قبع القنفذ يقبع قبوعا إذا أدخل رأسه في جلده-  و كذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه-  و كل من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع-  و كسر البيت جانب الخباء و سفح الجبل أسفله-  و أصله حيث يسفح فيه الماء-  و يقط الرقاب يقطعها عرضا-  لا طولا كما قاله الراوندي-  و إنما ذاك القد قددته طولا و قططته عرضا-  قال ابن فارس صاحب المجمل-  قال ابن عائشة كانت ضربات علي ع في الحرب أبكارا-  إن اعتلى قد و إن اعترض قط-  و يجدل الأبطال يلقيهم على الجدالة و هي وجه الأرض-  و ينطف دما يقطر-  و الأبدال قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم-  إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر-  قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث- . كان أمير المؤمنين ع ذا أخلاق متضادة-  فمنها ما قد ذكره الرضي رحمه الله-  و هو موضع التعجب-  لأن الغالب على أهل الشجاعة-  و الإقدام و المغامرة و الجرأة-  أن يكونوا ذوي قلوب قاسية-  و فتك و تمرد و جبرية-  و الغالب على أهل الزهد و رفض الدنيا-  و هجران ملاذها و الاشتغال بمواعظ الناس-  و تخويفهم المعاد و تذكيرهم الموت-  أن يكونوا ذوي رقة و لين-  و ضعف قلب و خور طبع-  و هاتان حالتان متضادتان و قد اجتمعتا له ع- . و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و إراقة الدماء-  أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية-  و طباع حوشية و غرائز وحشية-  و كذلك الغالب على أهل الزهادة-  و أرباب الوعظ و التذكير و رفض الدنيا-  أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق-  و عبوس في الوجوه و نفار من الناس و استيحاش-  و أمير المؤمنين ع كان أشجع الناس-  و أعظمهم إراقة للدم-  و أزهد الناس و أبعدهم عن ملاذ الدنيا-  و أكثرهم وعظا و تذكيرا بأيام الله و مثلاته-  و أشدهم اجتهادا في العبادة و آدابا لنفسه في المعاملة-  و كان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا-  و أسفرهم وجها و أكثرهم بشرا و أوفاهم هشاشة-  و أبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر-  أو تجهم مباعد أو غلظة و فظاظة تنفر معهما نفس-  أو يتكدر معهما قلب-  حتى عيب بالدعابة-  و لما لم يجدوا فيه مغمزا و لا مطعنا تعلقوا بها-  و اعتمدوا في التنفير عنه عليها- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 1          صفحه‏ى 170     

- . و للناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان و خلفان آخران-  و كل اثنين منهما شطر-  و تشطرا ضرعيها اقتسما فائدتهما و نفعهما-  و الضمير للخلافة و سمى القادمين معا ضرعا-  و سمى الآخرين معا ضرعا لما كانا لتجاورهما-  و لكونهما لا يحلبان إلا معا كشي‏ء واحد- . قوله ع فجعلها في حوزة خشناء-  أي في جهة صعبة المرام شديدة الشكيمة-  و الكلم الجرح- . و قوله يغلظ-  من الناس من قال كيف قال يغلظ كلمها-  و الكلم لا يوصف بالغلظ و هذا قلة فهم بالفصاحة-  أ لا ترى كيف قد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ-  فقال وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ أي متضاعف-  لأن الغليظ من الأجسام هو ما كثف و جسم-  فكان أجزاؤه و جواهره متضاعفة-  فلما كان العذاب أعاذنا الله منه متضاعفا سمي غليظا-  و كذلك الجرح إذا أمعن و عمق-  فكأنه قد تضاعف و صار جروحا فسمي غليظا- . إن قيل قد قال ع في حوزة خشناء فوصفها بالخشونة-  فكيف أعاد ذكر الخشونة ثانية فقال يخشن مسها- . قيل الاعتبار مختلف-  لأن مراده بقوله في حوزة خشناء-  أي لا ينال ما عندها و لا يرام-  يقال إن فلانا لخشن الجانب و وعر الجانب-  و مراده بقوله يخشن مسها-  أي تؤذي و تضر و تنكئ من يمسها-  يصف جفاء أخلاق الوالي المذكور-  و نفور طبعه و شدة بادرته- . قوله ع و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها-  يقول ليست هذه الجهة جددا مهيعا-  بل هي كطريق كثير الحجارة لا يزال الماشي فيه عاثرا- . و أما منها في قوله ع و الاعتذار منها-  فيمكن أن تكون من على أصلها-  يعني أن عمر كان كثيرا ما يحكم بالأمر ثم ينقضه-  و يفتي بالفتيا ثم يرجع عنها-  و يعتذر مما أفتى به أولا-  و يمكن أن تكون من هاهنا للتعليل و السببية-  أي و يكثر اعتذار الناس عن أفعالهم و حركاتهم لأجلها-  قال

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 1          صفحه‏ى 181     

مثل قول أنس-  فقال للهرمزان ويحك أ تخدعني-  و الله لأقتلنك إلا أن تسلم ثم أومأ إلى أبي طلحة-  فقال الهرمزان أشهد أن لا إله إلا الله-  و أشهد أن محمدا رسول الله فأمنه و أنزله المدينة- . سأل عمر عمرو بن معديكرب عن السلاح-  فقال له ما تقول في الرمح قال أخوك و ربما خانك-  قال فالنبل قال رسل المنايا تخطئ و تصيب-  قال فالدرع قال مشغلة للفارس متعبة للراجل-  و إنها مع ذلك لحصن حصين-  قال فالترس قال هو المجن و عليه تدور الدوائر-  قال فالسيف قال هناك قارعت أمك الهبل-  قال بل أمك قال و الحمى أضرعتني لك- . و أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة-  مات أبو بكر فناح النساء عليه و فيهن أخته أم فروة-  فنهاهن عمر مرارا و هن يعاودن-  فأخرج أم فروة من بينهن و علاها بالدرة-  فهربن و تفرقن- . كان يقال درة عمر أهيب من سيف الحجاج-  و في الصحيح أن نسوة كن عند رسول الله ص قد كثر لغطهن-  فجاء عمر فهربن هيبة له-  فقال لهن يا عديات أنفسهن-  أ تهبنني و لا تهبن رسول الله-  قلن نعم أنت أغلظ و أفظ- . و كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه-  و يفتي بضده و خلافه-  قضى في الجد مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة-  ثم خاف من الحكم في هذه المسألة-  فقال من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم-  فليقل في الجد برأيه- . و قال مرة لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي-  إلا ارتجعت ذلك منها-  فقالت له امرأة ما جعل الله لك ذلك-  إنه تعالى قال وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً-  أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً-  فقال كل النساء أفقه من عمر حتى ربات الحجال-  أ لا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت-  فاضلت إمامكم ففضلته- . و مر يوما بشاب من فتيان الأنصار و هو ظمآن-  فاستسقاه فجدح له ماء بعسل فلم يشربه-  و قال إن الله تعالى يقول أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا-  فقال له الفتى يا أمير المؤمنين-  إنها ليست لك و لا لأحد من هذه القبيلة-  اقرأ ما قبلها وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ-  أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا-  فقال عمر كل الناس أفقه من عمر- . و قيل إن عمر كان يعس بالليل-  فسمع صوت رجل و امرأة في بيت فارتاب-  فتسور الحائط فوجد امرأة و رجلا و عندهما زق خمر-  فقال يا عدو الله-  أ كنت ترى أن الله يسترك و أنت على معصيته-  قال يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت في واحدة-  فقد أخطأت في ثلاث-  قال الله تعالى وَ لا تَجَسَّسُوا و قد تجسست-  و قال وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها و قد تسورت-  و قال فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا و ما سلمت- . و قال متعتان كانتا على عهد رسول الله و أنا محرمهما-  و معاقب عليهما-  متعة النساء و متعة الحج-  و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا-  فله عندنا مخرج و تأويل-  و قد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم- . و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهية ظاهرة-  يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد-  و يتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده-  فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله ص-  و معاذ الله أن يقصد بها ظاهرها-  و لكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته و لم يتحفظ منها-  و كان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض-  و حاشاه أن يعني بها غير ذلك- . و لجفاة الأعراب من هذا الفن كثير-  سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 1          صفحه‏ى 252     

 و في الحديث أن رجلا قال له يا رسول الله-  إني أحب أن أنكح فلانة إلا أن في أخلاق أهلها دقه-  فقال له إياك و خضراء الدمن-  إياك و المرأة الحسناء في منبت السوء

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 2          صفحه‏ى 64     

- . فسار حتى قدم على معاوية و عرف حاجة معاوية إليه-  فباعده من نفسه و كايد كل واحد منهما صاحبه- . فقال له معاوية يوم دخل عليه أبا عبد الله-  طرقتنا في ليلتنا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد و لا صدر-  قال و ما ذاك قال-  منها أن محمد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر-  فخرج هو و أصحابه-  و هو من آفات هذا الدين-  و منها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام-  و منها أن عليا نزل الكوفة و تهيأ للمسير إلينا- . فقال عمرو ليس كل ما ذكرت عظيما-  أما ابن أبي حذيفة-  فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه-  أن تبعث إليه رجلا يقتله أو يأتيك به-  و إن قاتل لم يضرك-  و أما قيصر فأهد له الوصائف و آنية الذهب و الفضة-  و سله الموادعة فإنه إليها سريع-  و أما علي فلا-  و الله يا معاوية ما يسوي العرب بينك و بينه-  في شي‏ء من الأشياء-  و إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش-  و إنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه-  هكذا في رواية نصر بن مزاحم عن محمد بن عبيد الله- . و روى نصر أيضا عن عمر بن سعد قال-  قال معاوية لعمرو يا أبا عبد الله-  إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى الله-  و شق عصا المسلمين-  و قتل الخليفة و أظهر الفتنة-  و فرق الجماعة و قطع الرحم-  فقال عمرو من هو قال علي-  قال و الله يا معاوية ما أنت و علي بحملي بعير-  ليس لك هجرته و لا سابقته-  و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه-  و و الله إن له مع ذلك لحظا في الحرب-  ليس لأحد غيره-  و لكني قد تعودت من الله تعالى إحسانا و بلاء جميلا-  فما تجعل لي إن شايعتك على حربه-  و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر قال حكمك-  فقال مصر طعمة-  فتلكأ عليه معاوية- . قال نصر و في حديث غير عمر بن سعد-  فقال له معاوية يا أبا عبد الله-  إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك-  أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا-  قال عمرو دعني عنك-  فقال معاوية إني لو شئت أن أمنيك و أخدعك لفعلت-  قال عمرو لا لعمر الله ما مثلي يخدع-  لأنا أكيس من ذلك-  قال معاوية ادن مني أسارك فدنا منه عمرو ليساره-  فعض معاوية أذنه-  و قال هذه خدعة هل ترى في البيت أحدا-  ليس غيري و غيرك- . قلت قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى-  قول عمرو له دعني عنك كناية عن الإلحاد بل تصريح به-  أي دع هذا الكلام لا أصل له-  فإن اعتقاد الآخرة-  و أنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات- . و قال رحمه الله تعالى و ما زال عمرو بن العاص ملحدا-  ما تردد قط في الإلحاد و الزندقة-  و كان معاوية مثله-  و يكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي-  و أن معاوية عض أذن عمرو-  أين هذا من سيرة عمر-  و أين هذا من أخلاق علي ع و شدته في ذات الله-  و هما مع ذلك يعيبانه بالدعابة- . قال نصر فأنشأ عمرو يقول- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 2          صفحه‏ى 174     

أَيُّهَا النَّاسُ-  إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ شَدِيدٍ-  يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً-  وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً-  لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا-  وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا-  وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ-  مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ-  إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ كَلَالَةُ حَدِّهِ-  وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ-  وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بَشَرِّهِ-  وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ-  قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِينَهُ-  لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ-  أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ-  وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً-  وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً-  وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآْخِرَةِ-  وَ لَا يَطْلُبُ الآْخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا-  قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ-  وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ-  وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ-  وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ-  وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ-  وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ-  فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ-  وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ-  وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًى-  وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ-  وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ-  فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ-  وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ-  وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ-  قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ-  فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ-  أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ-  قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا-  وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا-  فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ-  أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ-  وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ-  وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ-  قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ-  وَ ارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً-  فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ قال الرضي رحمه الله-  و هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية-  و هي من كلام أمير المؤمنين ع الذي لا يشك فيه-  و أين الذهب من الرغام-  و أين العذب من الأجاج-  و قد دل على ذلك الدليل الخريت-  و نقده الناقد البصير-  عمرو بن بحر الجاحظ-  فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين-  و ذكر من نسبها إلى معاوية-  ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها-  جملته أنه قال و هذا الكلام بكلام علي ع أشبه-  و بمذهبه في تصنيف الناس-  و في الإخبار عما هم عليه من القهر و الإذلال-  و من التقية و الخوف أليق-  قال و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال-  يسلك في كلامه مسلك الزهاد و مذاهب العباد دهر عنود جائر-  عند عن الطريق يعند بالضم أي عدل و جار-  و يمكن أن يكون من عند يعند بالكسر-  أي خالف و رد الحق و هو يعرفه-  إلا أن اسم الفاعل المشهور في ذلك عاند و عنيد-  و أما عنود فهو اسم فاعل-  من عند يعند بالضم- . قوله و زمن شديد أي بخيل-  و منه قوله تعالى وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ-  أي و إنه لبخيل لأجل حب الخير-  و الخير المال-  و قد روي و زمن كنود و هو الكفور-  قال تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ- . و القارعة الخطب الذي يقرع أي يصيب- . قوله و نضيض وفره أي قلة ماله-  و كان الأصل و نضاضة وفره-  ليكون المصدر في مقابلة المصدر الأول-  و هو كلالة حده-  لكنه أخرجه على باب إضافة الصفة إلى الموصوف-  كقولهم عليه سحق عمامة-  و جرد قطيفة و أخلاق ثياب- . قوله و المجلب بخيله و رجله-  المجلب اسم فاعل من أجلب عليهم-  أي أعان عليهم- . و الرجل جمع راجل كالركب جمع راكب-  و الشرب جمع شارب-  و هذا من ألفاظ الكتاب العزيز-  وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ- . و أشرط نفسه أي هيأها و أعدها للفساد في الأرض- . و أوبق دينه أهلكه-  و الحطام المال و أصله ما تكسر من اليبيس- . ينتهزه يختلسه- . و المقنب خيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين- . و يفرعه يعلوه-  و طامن من شخصه أي خفض-  و قارب من خطوه لم يسرع و مشى رويدا- . و شمر من ثوبه قصره-  و زخرف من نفسه حسن و نمق و زين-  و الزخرف الذهب في الأصل- . و ضئوله نفسه حقارتها-  و الناد المنفرد-  و المكعوم من كعمت البعير-  إذا شددت فمه-  و الأجاج الملح- . و أفواههم ضامزة بالزاي أي ساكنة-  قال بشر بن أبي خازم- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 5          صفحه‏ى 173     

- . قوله ع و اعلموا أنكم بعين الله-  أي يراكم و يعلم أعمالكم-  و الباء هاهنا كالباء في قوله-  أنت بمرأى مني و مسمع- . قوله فعاودوا الكر-  أي إذا كررتم على العدو كره فلا تقتصروا عليها-  بل كروا كرة أخرى بعدها-  ثم قال لهم-  و استحيوا من الفرار فإنه عار في الأعقاب-  أي في الأولاد-  فإن الأبناء يعيرون بفرار الآباء-  و يجوز أن يريد بالأعقاب جمع عقب-  و هو العاقبة و ما يئول إليه الأمر-  قال سبحانه خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً-  أي خير عاقبة-  فيعنى على هذا الوجه أن الفرار عار في عاقبة أمركم-  و ما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان عنكم- . ثم قال و نار يوم الحساب-  لأن الفرار من الزحف ذنب عظيم-  و هو عند أصحابنا المعتزلة من الكبائر-  قال الله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ-  إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى‏ فِئَةٍ-  فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ-  و الجهاد بين يدي الإمام كالجهاد بين يدي الرسول ع- . قوله ع و طيبوا عن أنفسكم نفسا-  لما نصب نفسا على التمييز وحده-  لأن التمييز لا يكون إلا واحدا-  و إن كان في معنى الجمع-  تقول انعموا بالا-  و لا تضيقوا ذرعا-  و أبقى الأنفس على جمعها-  لما لم يكن به حاجة إلى توحيدها-  يقول وطنوا أنفسكم على الموت و لا تكرهوه-  و هونوه عليكم-  تقول طبت عن مالي نفسا إذا هونت ذهابه- . و قوله و امشوا إلى الموت مشيا سجحا أي سهلا-  و السجاحة السهولة-  يقال في أخلاق فلان سجاحة-  و من رواه سمحا أراد سهلا أيضا- . و السواد الأعظم يعني به جمهور أهل الشام- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 5          صفحه‏ى 217     

دعوت فلباني من القوم عصبةفوارس من همدان غير لئام‏فوارس من همدان ليسوا بعزل‏غداة الوغى من شاكر و شبام‏بكل رديني و عضب تخاله‏إذا اختلف الأقوام شعل ضرام‏لهمدان أخلاق كرام تزينهم‏و بأس إذا لاقوا و حد خصام‏و جد و صدق في الحروب و نجدةو قول إذا قالوا بغير أثام‏متى تأتهم في دارهم تستضيفهم‏تبت ناعما في خدمة و طعام‏جزى الله همدان الجنان فإنهاسمام العدا في كل يوم زحام‏فلو كنت بوابا على باب جنةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 6          صفحه‏ى 209     

و منها جهات أخرى يعرفها المنجمون فقط-  على حسب فضل علمهم و دقة نظرهم في هذا العلم-  و إذ قد وصفنا على سبيل الإجمال-  ما يوجب حقيقة هذا العلم-  فإنا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن-  فنقول لما كانت تغيرات الهواء-  إنما تحدث بحسب أحوال الشمس و القمر-  و الكواكب المتحيرة و الثابتة-  صارت معرفة هذه التغيرات قد تدرك من النجوم-  مع سائر ما يتبعها من الرياح و السحاب-  و الأمطار و الثلج و البرد و الرعد و البرق-  لأن الأشياء التي تلي الأرض-  و تصل إليها هذه الآثار من الهواء المحيط بها-  كانت الأعراض العامية التي-  تعرض في هذه الأشياء تابعة لتلك الآثار-  مثل كثرة مياه الأنهار و قلتها و كثرة الثمار و قلتها-  و كثرة خصب الحيوان و قلته و الجدوبة و القحط-  و الوباء و الأمراض التي تحدث في الأجناس و الأنواع-  أو في جنس دون جنس أو في نوع دون نوع-  و سائر ما يشاكل ذلك من الأحداث- . و لما كانت أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن-  و كانت الأحداث التي ذكرناها مغيرة لمزاج البدن-  صارت أيضا مغيرة للأخلاق-  و لأن المزاج الأول الأصلي هو الغالب-  على الإنسان في الأمر الأكثر-  و كان المزاج الأصلي هو الذي-  طبع عليه الإنسان في وقت كونه في الرحم-  و في وقت مولده و خروجه إلى جو العالم-  صار وقت الكون و وقت المولد-  أدل الأشياء على مزاج الإنسان-  و على أحواله التابعة للمزاج مثل خلقة البدن-  و خلق النفس و المرض و الصحة و سائر ما يتبع ذلك-  فهذه الأشياء و ما يشبهها من الأمور-  التي لا تشارك شيئا من الأفعال الإرادية فيه-  مما يمكن معرفته بالنجوم و أما الأشياء التي-  تشارك الأمور الإرادية بعض المشاركة-  فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الأمر الأكثر-  و إذا لم يستعمل فيه الإرادة-  جرى على ما تقود إليه الطبيعة- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 6          صفحه‏ى 294     

و روى الشعبي-  قال دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجة-  و قد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه-  فكره قضاءها و تشاغل-  فقال عمرو يا معاوية إن السخاء فطنة و اللؤم تغافل-  و الجفاء ليس من أخلاق المؤمنين-  فقال معاوية يا عمرو-  بما ذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام-  فغضب عمرو و قال بأعظم حق و أوجبه-  إذ كنت في بحر عجاج-  فلو لا عمرو لغرقت في أقل مائه و أرقه-  و لكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه-  ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه-  فمضى حكمك و نفذ أمرك-  و انطلق لسانك بعد تلجلجه-  و أضاء وجهك بعد ظلمته-  و طمست لك الشمس بالعهن المنفوش-  و أظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة- . فتناوم معاوية و أطبق جفنيه مليا-  فخرج عمرو فاستوى معاوية جالسا-  و قال لجلسائه أ رأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل-  ما عليه لو عرض ففي التعريض ما يكفي-  و لكنه جبهني بكلامه و رماني بسموم سهامه- . فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين-  إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال-  إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه-  و إما أن يكون السائل لئيما-  فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضي حاجته-  و إما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه-  صغرت أو كبرت- . فقال معاوية لله أبوك ما أحسن ما نطقت-  و بعث إلى عمرو فأخبره و قضى حاجته و وصله بصلة جليلة-  فلما أخذها ولى منصرفا-  فقال معاوية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا-  وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ-  فسمعها عمرو فالتفت إليه مغضبا-  و قال و الله يا معاوية لا أزال آخذ منك قهرا-  و لا أطيع لك أمرا و أحفر لك بئرا عميقا-  إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما فضحك معاوية-  فقال ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة-  و إنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي-  فاصنع ما شئت

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 6          صفحه‏ى 327      

-  و الشجاع يعيب الجبان و ينسبه إلى الضعف-  و يعتقد أن الجبن ذل و مهانة-  و هكذا القول في جميع الأخلاق-  و السجايا المقتسمة بين نوع الإنسان-  و لما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب-  خشن الملمس دائم العبوس-  كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و أن خلافه نقص-  و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة و سماحة الخلق-  لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة و أن خلافه نقص-  حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلي ع و خلق علي حاصل له-  لقال في علي لو لا شراسة فيه- . فهو غير ملوم عندي فيما قاله-  و لا منسوب إلى أنه أراد الغض من علي-  و القدح فيه و لكنه أخبر عن خلقه-  ظانا أن الخلافة لا تصلح-  إلا لشديد الشكيمة العظيم الوعورة-  و بمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى-  تمم خلافة أبي بكر بمشاركته إياه-  في جميع تدابيراته و سياسته و سائر أحواله-  لرفق و سهولة كانت في أخلاق أبي بكر-  و بمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده-  كان يشير على رسول الله ص في مقامات كثيرة-  و خطوب متعدة بقتل قوم كان يرى قتلهم-  و كان النبي ص يرى استبقاءهم و استصلاحهم-  فلم يقبل ع مشورته على هذا الخلق- . و أما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى-  حيث أشار أبو بكر بالفداء-  فكان الصواب مع عمر و نزل القرآن بموافقته-  فلما كان في اليوم الثاني و هو يوم الحديبية-  أشار بالحرب و كره الصلح فنزل القرآن بضد ذلك-  فليس كل وقت يصلح تجريد السيف-  و لا كل وقت يصلح إغماده-  و السياسة لا تجري على منهاج واحد و لا تلزم نظاما واحدا- . و جملة الأمر أنه رضي الله عنه لم يقصد عيب علي ع-  و لا كان عنده معيبا و لا منقوصا-  أ لا ترى أنه قال في آخر الخبر أن أحراهم أن وليها-  أن يحملهم على كتاب الله و سنة رسوله لصاحبك-  ثم أكد ذلك بأن قال إن وليهم-  ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم-  فلو كان أطلق تلك اللفظة-  و عنى بها ما حملها عليه الخصوم-  لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله- . و أنت إذا تأملت حال علي ع في أيام رسول الله ص-  وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة و المزاح-  لأنه لم ينقل عنه شي‏ء من ذلك أصلا-  لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين-  و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبي بكر و عمر-  لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا-  يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه-  فكيف يظن بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل-  و لا ندد به صديق و عدو-  و إنما أراد سهولة خلقه لا غير-  و ظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف إن ولي أمر الأمة-  لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة-  بناء على ما قد ألفته نفسه و طبعت عليه سجيته-  و الحال في أيام عثمان-  و أيام ولايته ع الأمر كالحال فيما تقدم-  في أنه لم يظهر منه دعابة-  و لا مزاح يسمى الإنسان لأجله ذا دعابة و لعب-  و من تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول-  و عرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر-  إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا-  و زاد عليها أنه كثير اللعب-  يعافس النساء و يمارسهن و أنه صاحب هزل- . و لعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك-  و أي وقت كان يتسع لعلي ع حتى يكون فيه على هذه الصفات-  فإن أزمانه كلها في العبادة و الصلاة-  و الذكر و الفتاوي و العلم-  و اختلاف الناس إليه في الأحكام و تفسير القرآن-  و نهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم-  و ليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة هذا في أيام سلمه-  فأما أيام حربه فبالسيف الشهير و السنان الطرير-  و ركوب الخيل و قود الجيش و مباشرة الحروب- . و لقد صدق ع في قوله- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 6          صفحه‏ى 337     

-  و لكنه خلق على سجية لطيفة و أخلاق سهلة و وجه طلق-  و قول حسن و بشر ظاهر و ذلك من فضائله ع-  و خصائصه التي منحه الله بشرفها و اختصه بمزيتها-  و إنما كانت غلظته و فظاظته فعلا لا قولا-  و ضربا بالسيف لا جبها بالقول-  و طعنا بالسنان لا عضها باللسان كما قال الشاعر- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 6          صفحه‏ى 340     

و نحن نذكر بعد كلاما كليا-  في سبب الغلظة و الفظاظة-  و هو الخلق المنافي للخلق الذي كان عليه أمير المؤمنين-  فنقول إنه قد يكون لأمر عائد إلى المزاج الجسماني-  و قد يكون لأمر راجع إلى النفس-  فأما الأول-  فإنما يكون من غلبة الأخلاط السوداوية و ترمدها-  و عدم صفاء الدم و كثرة كدرته و عكره-  فإذا غلظ الدم و ثخن غلظ الروح النفساني و ثخن أيضا-  لأنه متولد من الدم-  فيحدث منه نوع مما يحدث لأصحاب الفطرة-  من الاستيحاش و النبوة عن الناس-  و عدم الاستئناس و البشاشة-  و صار صاحبه ذا جفاء و أخلاق غليظة-  و يشبه أن يكون هذا سببا ماديا-  فإن الذي يقوى في نفسي-  أن النفوس إن صحت و ثبتت مختلفة بالذات- . و أما الراجع إلى النفس-  فأن يجتمع عندها أسقاط و أنصباء من قوى مختلفة مذمومة-  نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة-  و ينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها-  و توهم النقصان في غيرها-  فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير الصواب-  و أن الصواب ما توهمه- . و ينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس-  و عدم الضبط لها و استحقارها للغير-  و يقل التوقير له و ينضاف إلى ذلك لجاج-  و ضيق في النفس و حدة و استشاطة و قلة صبر عليه-  فيتولد من مجموع هذه الأمور خلق دني-  و هو الغلظة و الفظاظة و الوعورة و البادرة المكروهة-  و عدم حبه الناس و لقاؤهم بالأذى و قلة المراقبة لهم-  و استعمال القهر في جميع الأمور و تناول الأمر من السماء-  و هو قادر على أن يتناوله من الأرض- . و هذا الخلق خارج عن الاعتدال و داخل في حيز الجور-  و لا ينبغي أن يسمى بأسماء المدح-  و أعني بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف-  و الخلق الوعر رجولية و شدة و شكيمة-  و يذهبون به مذهب قوة النفس و شجاعتها-  الذي هو بالحقيقة مدح و شتان بين الخلقين-  فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه-  تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه-  على الأقرب فالأقرب من معامليه-  حتى ينتهي إلى عبيده و حرمه-  فيكون عليهم سوط عذاب لا يقيلهم عثرة-  و لا يرحم لهم عبرة و إن كانوا برآء الذنوب-  غير مجرمين و لا مكتسبي سوء بل يتجرم عليهم-  و يهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 8          صفحه‏ى 212     

قال و كان قرطاس الرامي لأبي أحمد-  يصيح بأبي العباس في الحرب-  إذا أخذتني فاجعلني كردناجا يهزأ به- . قال فلما ظفر به أدخل في دبره سيخا من حديد-  فأخرجه من فيه و جعله على النار كردناجا- . قال أبو جعفر-  ثم تتابع مجي‏ء الزنج إلى أبي أحمد في الأمان-  فحضر منهم في ثلاثة أيام نحو سبعة آلاف زنجي-  لما عرفوا قتل صاحبهم-  و رأى أبو أحمد بذل الأمان لهم-  كي لا يبقى منهم بقية-  يخاف معرتها في الإسلام و أهله-  و انقطعت منهم قطعة نحو ألف زنجي مالت نحو البر-  فمات أكثرها عطشا-  و ظفر الأعراب بمن سلم منهم-  فاسترقوهم و أقام الموفق بالموفقية-  بعد قتل الناجم مدة-  ليزداد الناس بمقامه أنسا و أمانا-  و يتراجع أهل البلاد إليها-  فقد كان الناجم أجلاهم عنها-  و قدم ابنه أبو العباس إلى بغداد-  و معه رأس الناجم-  فدخلها يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة-  بقين من جمادى الأولى من هذه السنة-  و رأس الناجم بين يديه على قناة-  و الناس مجتمعون يشاهدونه- . و قد روى غير أبي جعفر-  و ذكره الآبي في مجموعة المسمى نثر الدرر-  عن العلاء بن صاعد بن مخلد-  قال لما حمل رأس صاحب الزنج-  و دخل به المعتضد إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله-  و اشتق أسواق بغداد و الرأس بين يديه-  فلما صرنا بباب الطاق صاح قوم من درب من تلك الدروب-  رحم الله معاوية و زاد-  حتى علت أصوات العامة بذلك فتغير وجه المعتضد-  و قال أ لا تسمع يا أبا عيسى ما أعجب هذا-  و ما الذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت-  و الله لقد بلغ أبي إلى الموت-  و ما أفلت أنا إلا بعد مشارفته و لقينا كل جهد و بلاء-  حتى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوهم-  و حصنا حرمهم و أولادهم-  فتركوا أن يترحموا على العباس-  و عبد الله ابنه و من ولد من الخلفاء-  و تركوا الترحم على علي بن أبي طالب-  و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين-  و الله لا برحت أو أؤثر في تأديب هؤلاء أثرا-  لا يعاودون بعد هذا الفعل مثله-  ثم أمر بجمع النفاطين ليحرق الناحية-  فقلت له أيها الأمير أطال الله بقاءك-  إن هذا اليوم من أشرف أيام الإسلام-  فلا تفسده بجهل عامة لا أخلاق لهم-  و لم أزل أداريه و أرفق به حتى سار- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 10         صفحه‏ى 17     

-  و من المحدثين من يرويه حفت فيهما-  و ليس منهم من يرويه حجبت في النار-  و ذلك لأن لفظ الحجاب-  إنما يستعمل فيما يرام دخوله-  و ولوجه لمكان النفع فيه-  و يقال حجب زيد عن مأدبة الأمير-  و لا يقال حجب زيد عن الحبس- . ثم ذكر ع أنه لا طاعة إلا في أمر تكرهه النفس-  و لا معصية إلا بمواقعة أمر تحبه النفس و هذا حق-  لأن الإنسان ما لم يكن متردد الدواعي لا يصح التكليف-  و إنما تتردد الدواعي إذا أمر بما فيه مشقة-  أو نهي عما فيه لذة و منفعة- . فإن قلت أ ليس قد أمر الإنسان بالنكاح و هو لذة-  قلت ما فيه من ضرر الإنفاق-  و معالجة أخلاق النساء يربي على اللذة الحاصلة فيه مرارا- . ثم قال ع رحم الله امرأ نزع عن شهوته أي أقلع- . و قمع هوى نفسه أي قهره- . ثم قال فإن هذه النفس أبعد شي‏ء منزعا أي مذهبا-  قال أبو ذؤيب

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 10         صفحه‏ى 150     

هذه الألفاظ التي أولها قوة في دين-  بعضها يتعلق حرف الجر فيه بالظاهر-  فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و بعضها يتعلق بمحذوف-  فيكون موضعه نصبا أيضا على الصفة و نحن نفصلها- . فقوله قوة في دين حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر-  و هو قوة تقول فلان قوي في كذا و على كذا-  كما تقول مررت بكذا و بلغت إلى كذا- . و و حزما في لين هاهنا لا يتعلق حرف الجر بالظاهر-  لأنه لا معنى له-  أ لا ترى أنك لا تقول فلان حازم في اللين-  لأن اللين ليس أمرا يحزم الإنسان فيه-  و ليس كما تقول فلان حازم في رأيه أو في تدبيره-  فوجب أن يكون حرف الجر متعلقا بمحذوف-  تقديره و حزما كائنا في لين- . و كذلك قوله و إيمانا في يقين-  حرف الجر متعلق بمحذوف أي كائنا في يقين أي مع يقين- . فإن قلت الإيمان هو اليقين فكيف قال و إيمانا في يقين-  قلت الإيمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل-  و اليقين هو سكون القلب فقط فأحدهما غير الآخر- . قوله و حرصا في علم حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر-  و في بمعنى على-  كقوله تعالى لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ- . قوله و قصدا في غنى حرف الجر متعلق بمحذوف-  أي هو مقتصد مع كونه غنيا-  و ليس يجوز أن يكون متعلقا بالظاهر-  لأنه لا معنى لقولك اقتصد في الغنى-  إنما يقال اقتصد في النفقة-  و ذلك الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى و مجامع له- . قوله و خشوعا في عبادة-  حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين معا- . قوله و تجملا في فاقة-  حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف-  و لا يصح تعلقه بالظاهر-  لأنه إنما يقال فلان يتجمل في لباسه و مروءته-  مع كونه ذا فاقة-  و لا يقال يتجمل في الفاقة-  على أن يكون التجمل متعديا إلى الفاقة- . قوله و صبرا في شدة حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- . قوله و طلبا في حلال حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر-  و في بمعنى اللام- . قوله و نشاطا في هدى حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- . قوله و تحرجا عن طمع-  حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر لا غير- . قوله يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل-  قد تقدم مثله- . قوله يمسي و همه الشكر-  هذه درجة عظيمة من درجات العارفين-  و قد أثنى الله تعالى على الشكر و الشاكرين-  في كتابه في مواضع كثيرة-  نحو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ-  فقرن الشكر بالذكر- . و قال تعالى-  ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ- . و قال تعالى وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- . و لعلو مرتبة الشكر طعن إبليس في بني آدم-  فقال وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ-  و قد صدقه الله تعالى في هذا القول فقال-  وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ- . و قال بعض أصحاب المعاني-  قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر و لم يستثن-  فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ- . و استثنى في خمسة أمور-  و هي الإغناء و الإجابة و الرزق و المغفرة و التوبة- . فقال فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ- . و قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ- . و قال يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ- . و قال وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- . و قال وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ- . و قال بعضهم كيف لا يكون الشكر مقاما جليلا-  و هو خلق من أخلاق الربوبية-  قال تعالى في صفة نفسه وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ- . و قد جعل الله تعالى مفتاح كلام أهل الجنة-  فقال وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ-  و جعله خاتمة كلامهم أيضا فقال-  وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 10         صفحه‏ى 220     

و كان يقول من تأمل حال الرجلين-  وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها-  و ذلك لأن حرب رسول الله ص مع المشركين كانت سجالا-  انتصر يوم بدر و انتصر المشركون عليه يوم أحد-  و كان يوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لا عليه و لا له-  لأنهم قتلوا رئيس الأوس و هو سعد بن معاذ-  و قتل منهم فارس قريش و هو عمرو بن عبد ود-  و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت-  ثم حارب بعدها قريشا يوم الفتح فكان الظفر له- . و هكذا كانت حروب علي ع انتصر يوم الجمل-  و خرج الأمر بينه و بين معاوية على سواء-  قتل من أصحابه رؤساء و من أصحاب معاوية رؤساء-  و انصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه-  ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له- . قال و من العجب أن أول حروب رسول الله ص كانت بدرا-  و كان هو المنصور فيها-  و أول حروب علي ع الجمل-  و كان هو المنصور فيها-  ثم كان من صحيفة الصلح و الحكومة يوم صفين-  نظير ما كان من صحيفة الصلح و الهدنة يوم الحديبية-  ثم دعا معاوية في آخر أيام علي ع إلى نفسه و تسمى بالخلافة-  كما أن مسيلمة و الأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما-  في آخر أيام رسول الله ص و تسميا بالنبوة-  و اشتد على علي ع ذلك-  كما اشتد على رسول الله ص أمر الأسود و مسيلمة-  و أبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي ص-  و كذلك أبطل أمر معاوية و بني أمية بعد وفاة علي ع-  و لم يحارب رسول الله ص أحد من العرب إلا قريش-  ما عدا يوم حنين-  و لم يحارب عليا ع من العرب أحد-  إلا قريش ما عدا يوم النهروان-  و مات علي ع شهيدا بالسيف-  و مات رسول الله ص شهيدا بالسم-  و هذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت-  و هذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت-  و مات رسول الله ص عن ثلاث و ستين سنة-  و مات علي ع عن مثلها- . و كان يقول انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما-  هذا شجاع و هذا شجاع و هذا فصيح و هذا فصيح-  و هذا سخي جواد و هذا سخي جواد-  و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهية-  و هذا عالم بالفقه و الشريعة-  و الأمور الإلهية الدقيقة الغامضة-  و هذا زاهد في الدنيا غير نهم و لا مستكثر منها-  و هذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها-  و هذا مذيب نفسه في الصلاة و العبادة و هذا مثله-  و هذا غير محبب إليه شي‏ء من الأمور العاجلة إلا النساء-  و هذا مثله-  و هذا ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا في قعدده-  و أبواهما أخوان لأب و أم دون غيرهما من بني عبد المطلب-  و ربي محمد ص في حجر والد هذا و هذا أبو طالب-  فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده-  ثم لما شب ص و كبر استخلصه من بني أبي طالب و هو غلام-  فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به-  فامتزج الخلقان و تماثلت السجيتان-  و إذا كان القرين مقتديا بالقرين-  فما ظنك بالتربية و التثقيف الدهر الطويل-  فواجب أن تكون أخلاق محمد ص كأخلاق أبي طالب-  و تكون أخلاق علي ع كأخلاق أبي طالب أبيه-  و محمد ع مربيه-  و أن يكون الكل شيمة واحدة و سوسا واحدا-  و طينة مشتركة و نفسا غير منقسمة و لا متجزئة-  و ألا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فضل-  لو لا أن الله تعالى اختص محمدا ص برسالته و اصطفاه لوحيه-  لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك-  و من أن اللطف به أكمل و النفع بمكانه أتم و أعم-  فامتاز رسول الله ص بذلك عمن سواه-  و بقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد-  و إلى هذا المعنى

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 10         صفحه‏ى 274     

و لا بد من قول ينفع-  إذ قد أضر السكوت و خيف غبه-  و لقد أرشدك من أفاء ضالتك-  و صافاك من أحيا مودته لك بعتابك-  و أراد الخير بك من آثر البقيا معك- . ما هذا الذي تسول لك نفسك و يدوى به قلبك-  و يلتوي عليه رأيك و يتخاوص دونه طرفك-  و يستشري به ضغنك و يتراد معه نفسك-  و تكثر لأجله صعداؤك-  و لا يفيض به لسانك أ عجمة بعد إفصاح-  أ لبسا بعد إيضاح أ دينا غير دين الله-  أ خلقا غير خلق القرآن أ هديا غير هدي محمد-  أ مثلي يمشى له الضراء و يدب له الخمر-  أم مثلك يغص عليه الفضاء و يكسف في عينه القمر-  ما هذه القعقعة بالشنان و الوعوعة باللسان-  إنك لجد عارف باستجابتنا لله و لرسوله-  و خروجنا من أوطاننا و أولادنا و أحبتنا-  هجرة إلى الله و نصرة لدينه-  في زمان أنت منه في كن الصبا و خدر الغرارة غافل-  تشبب و تربب لا تعي ما يشاد و يراد-  و لا تحصل ما يساق و يقاد-  سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك-  و سجايا الفتيان أشكالك-  حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت-  و عندها حط رحلك غير مجهول القدر و لا مجحود الفضل-  و نحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي-  و نقاسي أهوالا تشيب النواصي خائضين غمارها-  راكبين تيارها نتجرع صلبها-  و نشرج عيابها و نحكم آساسها و نبرم أمراسها-  و العيون تحدج بالحسد و الأنوف تعطس بالكبر-  و الصدور تستعر بالغيظ-  و الأعناق تتطاول بالفخر و الأسنة تشحذ بالمكر-  و الأرض تميد بالخوف-  لا ننتظر عند المساء صباحا و لا عند الصباح مساء-  و لا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه-  و لا نبلغ إلى شي‏ء إلا بعد تجرع العذاب قبله-  و لا نقوم منآدا إلا بعد اليأس من الحياة عنده-  فأدين في كل ذلك رسول الله ص بالأب و الأم-  و الخال و العم و المال و النشب و السبد و اللبد-  و الهلة و البلة بطيب أنفس و قرة أعين-  و رحب أعطان و ثبات عزائم و صحة عقول-  و طلاقة أوجه و ذلاقة ألسن-  هذا إلى خبيئات أسرار و مكنونات أخبار-  كنت عنها غافلا-  و لو لا سنك لم تك عن شي‏ء منها ناكلا-  كيف و فؤادك مشهوم-  و عودك معجوم و غيبك مخبور-  و الخير منك كثير فالآن قد بلغ الله بك-  و أرهص الخير لك و جعل مرادك بين يديك-  فاسمع ما أقول لك و اقبل ما يعود قبوله عليك-  و دع التحبس و التعبس

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 12         صفحه‏ى 50     

و روى الزبير في الموفقيات عن عبد الله بن عباس-  قال خرجت أريد عمر بن الخطاب فلقيته راكبا حمارا-  و قد ارتسنه بحبل أسود في رجليه نعلان مخصوفتان-  و عليه إزار و قميص صغير-  و قد انكشفت منه رجلاه إلى ركبتيه-  فمشيت إلى جانبه و جعلت أجذب الإزار و أسويه عليه-  كلما سترت جانبا انكشف جانب-  فيضحك و يقول إنه لا يطيعك-  حتى جئنا العالية فصلينا-  ثم قدم بعض القوم إلينا طعاما من خبز و لحم-  و إذا عمر صائم فجعل ينبذ إلي طيب اللحم-  و يقول كل لي و لك-  ثم دخلنا حائطا فألقى إلي رداءه و قال اكفنيه-  و ألقى قميصه بين يديه و جلس يغسله و أنا أغسل رداءه-  ثم جففناهما و صلينا العصر-  فركب و مشيت إلى جانبه و لا ثالث لنا- . فقلت يا أمير المؤمنين إني في خطبة فأشر علي-  قال و من خطبت قلت فلانة ابنة فلان-  قال النسب كما تحب و كما قد علمت-  و لكن في أخلاق أهلها دقة-  لا تعدمك أن تجدها في ولدك-  قلت فلا حاجة لي إذا فيها-  قال فلم لا تخطب إلى ابن عمك يعني عليا-  قلت أ لم تسبقني إليه-  قال فالأخرى قلت هي لابن أخيه-  قال يا ابن عباس إن صاحبكم إن ولي هذا الأمر-  أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به-  فليتني أراكم بعدي قلت يا أمير المؤمنين إن صاحبنا ما قد علمت-  أنه ما غير و لا بدل و لا أسخط رسول الله ص أيام صحبته له- . قال فقطع علي الكلام-  فقال و لا في ابنة أبي جهل-  لما أراد أن يخطبها على فاطمة- . قلت قال الله تعالى وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً-  و صاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله ص-  و لكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه-  و ربما كان من الفقيه في دين الله-  العالم العامل بأمر الله- . فقال يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم-  فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها-  فقد ظن عجزا-  أستغفر الله لي و لك خذ في غيرها- . ثم أنشأ يسألني عن شي‏ء من أمور الفتيا و أجيبه-  فيقول أصبت أصاب الله بك-  أنت و الله أحق أن تتبع- . أشرف عبد الملك على أصحابه و هم يتذاكرون سيرة عمر-  فغاظه ذلك و قال إيها عن ذكر سيرة عمر-  فإنها مزراة على الولاة مفسدة للرعية- . قال ابن عباس كنت عند عمر-  فتنفس نفسا ظننت أن أضلاعه قد انفرجت-  فقلت ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين-  إلا هم شديد-  قال إي و الله يا ابن عباس-  إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي-  ثم قال لعلك ترى صاحبك لها أهلا-  قلت و ما يمنعه من ذلك-  مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه-  قال صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة-  قلت فأين أنت عن طلحة قال ذو البأو-  و بإصبعه المقطوعة قلت فعبد الرحمن-  قال رجل ضعيف-  لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته-  قلت فالزبير قال شكس لقس-  يلاطم في النقيع في صاع من بر-  قلت فسعد بن أبي وقاص-  قال صاحب سلاح و مقنب-  قلت فعثمان قال أوه ثلاثا-  و الله لئن وليها ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس-  ثم لتنهض العرب إليه- . ثم قال يا ابن عباس-  إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا خصيف العقدة-  قليل الغرة لا تأخذه في الله لومة لائم-  ثم يكون شديدا من غير عنف-  لينا من غير ضعف سخيا من غير سرف-  ممسكا من غير وكف-  قال ابن عباس و كانت و الله هي صفات عمر- . قال ثم أقبل علي بعد أن سكت هنيهة-  و قال أجرؤهم و الله إن وليها أن يحملهم على كتاب ربهم-  و سنة نبيهم لصاحبك-  أما إن ولى أمرهم-  حملهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- . و روى عبد الله بن عمر قال كنت عند أبي يوما-  و عنده نفر من الناس-  فجرى ذكر الشعر فقال من أشعر العرب-  فقالوا فلان و فلان-  فطلع عبد الله بن عباس فسلم و جلس-  فقال عمر قد جاءكم الخبير-  من أشعر الناس يا عبد الله-  قال زهير بن أبي سلمى-  قال فأنشدني مما تستجيده له-  فقال يا أمير المؤمنين إنه مدح قوما من غطفان-  يقال لهم بنو سنان فقال- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 12         صفحه‏ى 69     

-  فلما كان على عهد عمر طلق نساءه الأربع-  و قسم ماله بين بنيه-  فبلغ ذلك عمر فأحضره-  فقال له إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع-  سمع بموتك فقذفه في نفسك-  و لعلك لا تمكث إلا قليلا-  و ايم الله لتراجعن نساءك-  و لترجعن في مالك-  أو لأورثنهن منك-  و لآمرن بقبرك فيرجم-  كما رجم قبر أبي رغال و قال عمر-  إن الجزف في المعيشة أخوف عندي عليكم من العيال-  أنه لا يبقى مع الفساد شي‏ء-  و لا يقل مع الإصلاح شي‏ء- . و كان عمر يقول أدبوا الخيل-  و انتضلوا و اقعدوا في الشمس-  و لا يجاورنكم الخنازير-  و لا تقعدوا على مائدة يشرب عليها الخمر-  أو يرفع عليها الصليب-  و إياكم و أخلاق العجم-  و لا يحل لمؤمن أن يدخل الحمام إلا مؤتزرا-  و لا لامرأة أن تدخل الحمام إلا من سقم-  فإذا وضعت المرأة خمارها في غير بيت زوجها-  فقد هتكت الستر بينها و بين الله تعالى- . و كان يكره أن يتزيا الرجال بزي النساء-  و ألا يزال الرجل يرى مكتحلا مدهنا-  و أن يحف لحيته و شاربه كما تحف المرأة- . سمع عمر سائلا يقول من يعشي السائل-  فقال عشوا سائلكم-  ثم جاء إلى دار إبل الصدقة يعشيها-  فسمع صوته مرة أخرى-  من يعشي السائل-  فقال أ لم آمركم أن تعشوه فقالوا قد عشيناه-  فأرسل إليه عمر و إذا معه جراب مملوء خبزا-  فقال إنك لست سائلا إنما أنت تاجر تجمع لأهلك-  فأخذ بطرف الجراب فنبذه بين يدي الإبل- . و قال عمر من مزح استخف به-  و قال أ تدرون لم سمي المزاح مزاحا-  لأنه أزاح الناس عن الحق- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 12         صفحه‏ى 71     

و قال في النساء استعينوا عليهن بالعري-  فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها-  و حسنت زينتها أعجبها الخروج- . و من كلامه إن الجبت السحر و إن الطاغوت الشيطان-  و إن الجبن و الشجاعة غرائز تكون في الرجال-  يقاتل الشجاع عمن لا يعرف-  و يفر الجبان عن أمه-  و إن كرم الرجل دينه-  و حسب الرجل خلقه-  و إن كان فارسيا أو نبطيا- . و قال تفهموا العربية-  فإنها تشحذ العقل و تزيد في المروءة- . و قال النساء ثلاث-  امرأة هينة لينة عفيفة ودود ولود-  تعين بعلها على الدهر-  و لا تعين الدهر على بعلها و قلما تجدها-  و أخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئا-  و الثالثة غل قمل-  يجعله الله في عنق من يشاء-  و ينزعه إذا شاء- . و الرجال ثلاثة-  رجل عاقل يورد الأمور و يصدرها-  فيحسن إيرادا و إصدارا-  و آخر يشاور الرجال و يقف عند آرائهم-  و الثالث حائر بائر لا يأتمر رشدا-  و لا يطيع مرشدا- . و قال ما يمنعكم إذا رأيتم السفيه-  يخرق أعراض النساء أن تعربوا عليه-  قالوا نخاف لسانه قال ذاك أدنى ألا تكونوا شهداء- . و رأى رجلا عظيم البطن-  فقال ما هذا قال بركة من الله- . و قال إذا رزقت مودة من أخيك-  فتشبث بها ما استطعت- . و قال لقوم يحصدون الزرع-  إن الله جعل ما أخطأت أيديكم رحمة لفقرائكم-  فلا تعودوا فيه- . و قال ما ظهرت قط نعمه على أحد إلا وجدت له حاسدا-  و لو أن أمرا كان أقوم من قدح لوجدت له غامزا- . و قال إياكم و المدح فإنه الذبح- . و قال لقبيصه بن ذؤيب-  أنت رجل حديث السن فصيح اللسان-  و إنه يكون في الرجل تسعة أخلاق حسنة-  و خلق واحد سيئ-  فيغلب الواحد التسعة فتوق عثرات السيئات- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 12         صفحه‏ى 203     

فأما إقراره بالهلاك لو لا تنبيه معاذ-  فإنه يقتضي التعظيم و التفخيم لشأن الفعل-  و لا يليق ذلك إلا بالتقصير الواقع-  إما في الأمر برجمها مع العلم بأنها حامل-  أو ترك البحث عن ذلك و المسألة عنه-  و أي لوم عليه في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل-  إذا لم يكن ذلك عن تفريط منه و لا تقصير- . قلت أما ظاهر لفظ معاذ فيشعر بما قاله المرتضى-  و لم يمتنع أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل-  و أن معاذا قد كان من الأدب أن يقول له-  حامل يا أمير المؤمنين-  فعدل عن هذا اللفظ بمقتضى أخلاق العرب و خشونتهم-  فقال له إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها-  فنبهه على العلة و الحكم معا-  و كان الأدب أن ينبهه على العلة فقط- . و أما عدول عمر عن أن يقول-  أنا أعلم أن الحامل لا ترجم-  و إنما أمرت برجمها-  لأني لم أعلم أنها حامل-  فلأنه إنما يجب أن يقول مثل هذا-  من يخاف من اضطراب حاله-  أو نقصان ناموسه و قاعدته أن لم يقله-  و عمر كان أثبت قدما في ولايته-  و أشد تمكنا من أن يحتاج إلى الاعتذار بمثل هذا- . و أما قول المرتضى-  كان يجب أن يسأل عن الحمل-  لأنه أحد الموانع من الرجم فكلام صحيح لازم-  و لا ريب إن ترك السؤال عن ذلك نوع من الخطإ-  و لكن المرتضى قد ظلم قاضي القضاة-  لأنه زعم أنه ادعى أن ذلك صغيرة-  ثم أنكر عليه ذلك و من أين له ذلك-  و أي دليل دل على أن هذه المعصية صغيرة-  و قاضي القضاة ما ادعى أن ذلك صغيرة-  بل قال لا يمتنع أن يكون ذلك خطيئة و إن صغرت-  و العجب أنه حكى لفظ قاضي القضاة بهذه الصورة-  ثم قال إنه ادعى أنها صغيرة-  و بين قول القائل لا يمتنع أن يكون صغيرة-  و قوله هي صغيرة لا محالة فرق عظيم- .

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 13         صفحه‏ى 18     

رَوَى ذِعْلَبٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمنِيِنَ ع-  فَقَالَ وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ النَّاسِ-  إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ-  وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا-  وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا-  فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ-  وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ-  فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ-  وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ-  وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ-  وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ-  وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ-  وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ-  وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ ذعلب و أحمد و عبد الله و مالك-  رجال من رجال الشيعة و محدثيهم-  و هذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمل على ظاهره-  و ما يتسارع إلى أفهام العامة منه-  و ذلك لأن قوله-  إنهم كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها-  إما أن يريد به أن كل واحد من الناس ركب من طين-  و جعل صورة بشرية طينية-  برأس و بطن و يدين و رجلين-  ثم نفخت فيه الروح كما فعل بآدم-  أو يريد به أن الطين الذي ركبت منه صورة آدم فقط-  كان مختلطا من سبخ و عذب-  فإن أريد الأول فالواقع خلافه-  لأن البشر الذين نشاهدهم-  و الذين بلغتنا أخبارهم لم يخلقوا من الطين كما خلق آدم-  و إنما خلقوا من نطف آبائهم-  و ليس لقائل أن يقول لعل تلك النطف افترقت-  لأنها تولدت من أغذية-  مختلفة المنبت من العذوبة و الملوحة-  و ذلك لأن النطفة لا تتولد من غذاء بعينه-  بل من مجموع الأغذية-  و تلك الأغذية لا يمكن أن تكون كلها-  من أرض سبخة محضة في السبخية-  لأن هذا من الاتفاقات التي يعلم عدم وقوعها-  كما يعلم أنه لا يجوز أن يتفق-  أن يكون أهل بغداد في وقت بعينه-  على كثرتهم لا يأكلون ذلك اليوم إلا السكباج خاصة-  و أيضا فإن الأرض السبخة-  أو التي الغالب عليها السبخية-  لا تنبت الأقوات أصلا-  و إن أريد الثاني و هو أن يكون طين آدم ع-  مختلطا في جوهره مختلفا في طبائعه-  فلم كان زيد الأحمق يتولد من الجزء السبخي-  و عمرو العاقل يتولد من الجزء العذبي-  و كيف يؤثر اختلاف طين آدم-  من ستة آلاف سنة في أقوام يتوالدون الآن- . و الذي أراه أن لكلامه ع تأويلا باطنا-  و هو أن يريد به اختلاف النفوس المدبرة للأبدان-  و كنى عنها بقوله مبادئ طينهم-  و ذلك أنها لما كانت الماسكة للبدن من الانحلال-  العاصمة له من تفرق العناصر-  صارت كالمبدإ و كالعلة له من حيث إنها-  كانت علة في بقاء امتزاجه-  و اختلاط عناصره بعضها ببعض-  و لذلك إذا فارقت عند الموت افترقت العناصر-  و انحلت الأجزاء فرجع اللطيف منها إلى الهواء-  و الكثيف إلى الأرض- . و قوله كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها-  و حزن تربة و سهلها-  تفسيره أن البارئ جل جلاله لما خلق النفوس-  خلقها مختلفة في ماهيتها-  فمنها الزكية و منها الخبيثة-  و منها العفيفة و منها الفاجرة-  و منها القوية و منها الضعيفة-  و منها الجريئة المقدمة و منها الفشلة الذليلة-  إلى غير ذلك من أخلاق النفوس المختلفة المتضادة- . ثم فسر ع و علل تساوي قوم في الأخلاق-  و تفاوت آخرين فيها فقال-  إن نفس زيد قد تكون مشابهة-  أو قريبة من المشابهة لنفس عمرو-  فإذا هما في الأخلاق متساويتان أو متقاربتان-  و نفس خالد قد تكون مضادة لنفس بكر-  أو قريبة من المضادة-  فإذا هما في الأخلاق متباينتان أو قريبتان من المباينة- . و القول باختلاف النفوس في ماهياتها-  هو مذهب أفلاطون-  و قد اتبعه عليه جماعة من أعيان الحكماء-  و قال به كثير من مثبتي النفوس من متكلمي الإسلام- . و أما أرسطو و أتباعه-  فإنهم لا يذهبون إلى اختلاف النفوس في ماهيتها-  و القول الأول عندي أمثل- . ثم بين ع اختلاف آحاد الناس-  فقال منهم من هو تام الرواء لكنه ناقص العقل-  و الرواء بالهمز و المد المنظر الجميل-  و من أمثال العرب ترى الفتيان كالنخل-  و ما يدريك ما الدخل- . و قال الشاعر

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 13         صفحه‏ى 197     

: أَنَا وَضَعْتُ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ-  وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ-  وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص-  بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ-  وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ-  وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ-  وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ-  وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ-  وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ-  وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص-  مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ-  يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ-  وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ-  وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ-  يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً-  وَ يَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ-  وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ-  فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي-  وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ-  غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا-  أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ-  وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ص-  فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ-  فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ-  إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى-  إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ-  وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ الباء في قوله بكلاكل العرب زائدة-  و الكلاكل الصدور الواحد كلكل-  و المعنى أني أذللتهم و صرعتهم إلى الأرض- . و نواجم قرون ربيعة و مضر-  من نجم منهم و ظهر و علا قدره و طار صيته- . فإن قلت أما قهره لمضر فمعلوم فما حال ربيعة-  و لم نعرف أنه قتل منهم أحدا-  قلت بلى قد قتل بيده و بجيشه-  كثيرا من رؤسائهم في صفين و الجمل-  فقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل-  و هذه الخطبة خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان- . و العرف بالفتح الريح الطيبة-  و مضغ الشي‏ء يمضغه بفتح الضاد- . و الخطلة في الفعل الخطأ فيه و إيقاعه على غير وجهه- . و حراء اسم جبل بمكة معروف- . و الرنة الصوت

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 15         صفحه‏ى 293     

قالوا لما سمت بنو أمية أبا هاشم مرض-  فخرج من الشام وقيذا يؤم المدينة-  فمر بالحميمة و قد أشفى-  فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس-  فدفع الوصية إليه-  و عرفه ما يصنع و أخبره بما سيكون من الأمر-  و قال له إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي-  و لكن أبي أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب ع بذلك-  و أمرني به و أعلمني بلقائي إياك في هذا المكان-  ثم مات فتولى محمد بن علي تجهيزه و دفنه-  و بث الدعاة حينئذ في طلب الأمر-  و هو الذي قال لرجال الدعوة-  و القائمين بأمر الدولة-  حين اختارهم للتوجه و انتخبهم للدعاء-  و حين قال بعضهم ندعو بالكوفة-  و قال بعضهم بالبصرة و قال بعضهم بالجزيرة-  و قال بعضهم بالشام و قال بعضهم بمكة-  و قال بعضهم بالمدينة-  و احتج كل إنسان لرأيه و اعتل لقوله-  فقال محمد أما الكوفة و سوادها فشيعة علي و ولده-  و أما البصرة فعثمانية تدين بالكف-  و قبيل عبد الله المقتول يدينون بجميع الفرق-  و لا يعينون أحدا-  و أما الجزيرة فحرورية مارقة و الخارجية فيهم فاشية-  و أعراب كأعلاج-  و مسلمون في أخلاق النصارى-  و أما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان-  و طاعة بني مروان عداوة راسخة و جهلا متراكما-  و أما مكة و المدينة فقد غلب عليهما أبو بكر و عمر-  و ليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد-  و لا يقوم بنصرنا إلا شيعتنا أهل البيت-  و لكن عليكم بخراسان-  فإن هناك العدد الكثير و الجلد الظاهر-  و صدورا سليمة و قلوبا مجتمعة-  لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل-  و لم تشغلها ديانة و لا هدم فيها فساد-  و ليس لهم اليوم همم العرب-  و لا فيهم تجارب كتجارب الأتباع مع السادات-  و لا تحالف كتحالف القبائل-  و لا عصبية كعصبية العشائر-  و ما زالوا ينالون و يمتهون و يظلمون فيكظمون-  و ينتظرون الفرج و يؤملون

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 18         صفحه‏ى 137     

و في عينيك ترجمة أراهاتدل على الضغائن و الحقودو أخلاق عهدت اللين فيهاغدت و كأنها زبر الحديدو قد عاهدتني بخلاف هذاو قال الله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 18         صفحه‏ى 205     

-  فاستحسن الناس ما قاله-  و ذلك لأن الشقراني كان صاحب شراب-  قالوا فانظر كيف أحسن السعي في استنجاز طلبته-  و كيف رحب به و أكرمه مع معرفته بحاله-  و كيف وعظه و نهاه عن المنكر على وجه التعريض-  قال الزمخشري و ما هو إلا من أخلاق الأنبياء- . كتب سعيد بن حميد شفاعة لرجل-  كتابي هذا كتاب معتن بمن كتب له-  واثق بمن كتب إليه-  و لن يضيع حامله بين الثقة و العناية إن شاء الله- . أبو الطيب

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 19         صفحه‏ى 38     

213: فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ معناه لا تعلم أخلاق الإنسان-  إلا بالتجربة و اختلاف الأحوال عليه-  و قديما قيل-  ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل- . و قال الشاعر- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 19         صفحه‏ى 78     

- . و لهذا الحكم علة في العلم العقلي-  و ذلك أن النفس عندهم غنية بذاتها مكتفية بنفسها-  غير محتاجة إلى شي‏ء خارج عنها-  و إنما عرضت لها الحاجة و الفقر إلى ما هو خارج عنها-  لمقارنتها الهيولى-  و ذلك أن أمر الهيولى بالضد-  من أمر النفس في الفقر و الحاجة-  و لما كان الإنسان مركبا من النفس و الهيولى-  عرض له الشوق إلى تحصيل العلوم و القنيات-  لانتفاعه بهما و التذاذه بحصولهما-  فأما العلوم فإنه يحصلها في شبيه بالخزانة له-  يرجع إليها متى شاء و يستخرج منها ما أراد-  أعني القوى النفسانية التي هي محل الصور و المعاني-  على ما هو مذكور في موضعه-  و أما القنيات و المحسوسات-  فإنه يروم منها مثل ما يروم من تلك-  و أن يودعها خزانة محسوسة خارجة عن ذاته-  لكنه يغلط في ذلك من حيث يستكثر منها-  إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني منها-  و إنما حرص على ما منع-  لأن الإنسان إنما يطلب ما ليس عنده-  لأن تحصيل الحاصل محال-  و الطلب إنما يتوجه إلى المعدوم لا إلى الموجود-  فإذا حصله سكن و علم أنه قد ادخره-  و متى رجع إليه وحده إن كان مما يبقى بالذات-  خزنه و تشوق إلى شي‏ء آخر منه-  و لا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها-  و ما لا نهاية له فلا مطمع في تحصيله-  و لا فائدة في النزوع إليه-  و لا وجه لطلبه سواء كان معلوما أو محسوسا-  فوجب أن يقصد من المعلومات إلى الأهم-  و من المقتنيات إلى ضرورات البدن و مقيماته-  و يعدل عن الاستكثار منها-  فإن حصولها كلها مع أنها لا نهاية لها غير ممكن-  و كلما فضل عن الحاجة و قدر الكفاية-  فهو مادة الأحزان و الهموم و ضروب المكاره-  و الغلط في هذا الباب كثير-  و سبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر-  لأن الفقر هو الحاجة-  و الغنى هو الاستقلال إلى أن يحتاج إليه-  و لذلك قيل إن الله تعالى غني مطلقا-  لأنه غير محتاج البتة-  فأما من كثرت قنياته فإنه-  يستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته-  و على قدرها رغبه إلى الاستكثار بكثرة وجوه فقره-  و قد بين ذلك في شرائع الأنبياء و أخلاق الحكماء-  فأما الشي‏ء الرخيص الموجود كثيرا فإنما يرغب عنه-  لأنه معلوم أنه إذا التمس وجد-  و الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان-  و يصيبه الواحد بعد الواحد-  و كل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليصيبه-  و ليحصل له ما لا يحصل لغيره

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 19         صفحه‏ى 283     

371: الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ الِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ-  وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ قد تقدم القول في نحو هذا-  و في المثل كفى بالاعتبار منذرا-  و كفى بالشيب زاجرا و كفى بالموت واعظا-  و قد سبق القول-  في وجوب تجنب الإنسان ما يكرهه من غيره- . و قال بعض الحكماء-  إذا أحببت أخلاق امرئ فكنه-  و إن أبغضتها فلا تكنه-  أخذه شاعرهم فقال- 

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 19         صفحه‏ى 324     

389: احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ-  وَ يَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ-  فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ-  وَ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ-  وَ إِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ من علم يقينا أن الله تعالى يراه عند معصيته-  كان أجد الناس أن يجتنبها-  كما إذا علمنا يقينا أن الملك يرى الواحد منا-  و هو يراود جاريته عن نفسها-  أو يحادث ولده ليفجر به-  و لكن اليقين في البشر ضعيف جدا-  أو أنهم أحمق الحيوان و أجهله و بحق أقول-  إنهم إن اعتقدوا ذلك اعتقادا لا يخالطه الشك-  ثم واقعوا المعصية-  و عندهم عقيدة أخرى ثابتة-  أن العقاب لاحق بمن عصى-  فإن الإبل و البقر أقرب إلى الرشاد منهم- . و أقول إن الذي جرأ الناس على المعصية-  الطمع في المغفرة و العفو العام-  و قولهم الحلم و الكرم و الصفح-  من أخلاق ذوي النباهة و الفضل من الناس-  فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذنوب- . و ما أحسن قول شيخنا أبي علي رحمه الله-  لو لا القول بالإرجاء لما عصي الله في الأرض

شرح‏نهج..(ابن‏أبي‏الحديد)      ج 20         صفحه‏ى 88     

449 وَ قَالَ ع: الْوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ أي تعرف الرجال بها كما تعرف الخيل بالمضمار-  و هو الموضع أو المدة التي تضمر فيها الخيل-  فمن الولاة من يظهر منه أخلاق حميدة-  و منهم من يظهر منه أخلاق ذميمة-  و قال الشاعر-