اخلاق در نهج البلاغه از کتاب شرحمائةكلمة
شرحمائةكلمة جزء 1 صفحهى 94
و امّا السّبب الغالب فى ذلك فاعلم انّه لمّا كان الغالب على الخلق الغفلة و الجهل البسيط و كانت النّفوس الانسانيّة قد جبلت على محبّة البدن و كثيرا ما تكون مطيعة للقوى متّبعة للهوى مواظبة على اقتناء الكمالات الوهميّة و لم يكن لتلك القوى البدنيّة كما علمت حظّ فى ادراك الامور الكلّيّة بل لا تدرك الّا الامور الحاضرة المحسوسة الجزئيّة او المتعلّقة بالمحسوس و كان الغالب انّ وجود الابناء و غالب حياتهم و تصرّفاتهم فى زمان غير زمان الاباء لا جرم كانت نفوسهم اكثر انفعالا و اطوع لاخلاق زمانهم و عاداتهم و زيّهم و حالاتهم منها لعادات الآباء و حالاتهم لمكان المشاهدة للحال الحاضرة و المنادمة و الاتّصال و المعاشرة و الغفلة عن حال الآباء لاقلّيّة معاشرتهم و مصاحبتهم لتقضّيهم و اقلّيّة وجودهم فى زمان وجود الابناء حتّى انّ انسانا لو عاشر أبا صالحا و تأدّب بآدابه و تخلّق بأخلاقه ثمّ فقده و عاشر من له ضدّ تلك الاخلاق فانّه ربّما استنكرها فى اوّل الصّحبة ثمّ انّ نفسه بعد حين تنفعل عن تلك الاخلاق و تكتسبها لكثرة مشاهدتها و تكرّرها على قوى الحسّ و عقلة النّفس بها و تحلّل الاخلاق الاولى على التّدريج فربّما انسلخ بالكلّيّة عن تلك الاخلاق الصّالحة الى التّكيّف بضدّها و بالعكس و كذلك لو كان لابيه صنعة مستحسنة فى وجوده او لباس يليق بحاله من اهل زمانه و كذلك سائر العادات الّتى يعتادها ذلك الأب و يتخلّق بها و يليق بحال فى وقته ثمّ نشأ ولده فى وقت آخر بين آخرين المنكرين للزّىّ الاوّل و مستحسنين لزىّ ثان و عادة قد اكتسبوها غير الاولى فانّه لا يتزيّا الّا بذلك الزّىّ و لا يغيّر تلك العادة و لا يتخلّق بغير تلك الاخلاق الحاضرة دون اخلاق آبائه و عاداتهم، و لو فرضنا انّه نشأ عليها و تزيّا بها مدّة و تكلّف البقاء عليها فانّ طبعه لا بدّ و ان يقوده الى العادات و الاخلاق الحاضرة امّا كلّها او بعضها و ليس ذلك الّا لما قلناه من من كثرة المشاهدة و الاطّلاع الحسّىّ على الامور الحاضرة الّتى عليها أهل زمانه و انفعال النّفس بها و غفلتها عن الاحتراز بمراجعة العقل فى مراعاة أنفع تلك الاخلاق الماضية و احاضرة فى امر المعاش و المعاد و اكتسابه و اعتبار أضرّ تلك العادات و الحالات فيهما و اجتنابه حتّى لو كانت لاهل زمان مضى خلّة حميدة تقود الى الهدى و هى مستنكرة فى الزّمان الحاضر لم يلتفت فى ارتكابها الى انكار منكريها بل ارتكبها و واظب عليها، و لو كان لاهل زمانه عادة او حالة تقود الى ردى تركها، و ان كانت مستحسنة بينهم، و اللّه ولىّ الاعانة على الالتفات الى ما يرضيه و هو الموفّق.
شرحمائةكلمة جزء 1 صفحهى 220
الرّابع- انّه عليه السّلام وصف موضعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و كيفيّة تربيته و ارشاده و تعليمه له فى آخر خطبته المسمّاة بالقاصعة، قال عليه السّلام مخاطبا للقوم: و قد علمتم موضعى من رسول اللّه بالقرابة القريبة و المنزلة الخصيصة، وضعنى فى حجره و انا وليد و يضمّنى الى صدره و يكنفني فى فراشه و يمسّنى جسده و يشمّنى عرفه و كان يمضغ الشّىء ثمّ يلقمنيه و ما وجد لى كذبة فى قول و لا خطلة فى فعل، و لقد قرن اللّه به من لدن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم و محاسن اخلاق العالم ليله و نهاره، و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل اثر أمّه، يرفع لى فى كلّ يوم علما من أخلاقه و يأمرنى بالاقتداء به، و لقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء فأراه و لا يراه غيرى و لم يجمع بيت واحد يومئذ فى الاسلام غير رسول اللّه و خديجة و أنا ثالثهما، أرى نور الوحى و الرّسالة و أشمّ ريح النّبوّة و لقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه صلّى اللّه عليه و آله فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرّنّة- فقال: هذا الشّيطان قد ايس من عبادته انّك تسمع، ما أسمع، و ترى ما أرى، الّا انّك لست بنبىّ و انّك لوزير و انك لعلى خير.
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 1 صفحهى 50
قبع القنفذ يقبع قبوعا إذا أدخل رأسه في جلده- و كذلك الرجل إذا أدخل رأسه في قميصه- و كل من انزوى في جحر أو مكان ضيق فقد قبع- و كسر البيت جانب الخباء و سفح الجبل أسفله- و أصله حيث يسفح فيه الماء- و يقط الرقاب يقطعها عرضا- لا طولا كما قاله الراوندي- و إنما ذاك القد قددته طولا و قططته عرضا- قال ابن فارس صاحب المجمل- قال ابن عائشة كانت ضربات علي ع في الحرب أبكارا- إن اعتلى قد و إن اعترض قط- و يجدل الأبطال يلقيهم على الجدالة و هي وجه الأرض- و ينطف دما يقطر- و الأبدال قوم صالحون لا تخلو الأرض منهم- إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر- قد ورد ذلك في كثير من كتب الحديث- . كان أمير المؤمنين ع ذا أخلاق متضادة- فمنها ما قد ذكره الرضي رحمه الله- و هو موضع التعجب- لأن الغالب على أهل الشجاعة- و الإقدام و المغامرة و الجرأة- أن يكونوا ذوي قلوب قاسية- و فتك و تمرد و جبرية- و الغالب على أهل الزهد و رفض الدنيا- و هجران ملاذها و الاشتغال بمواعظ الناس- و تخويفهم المعاد و تذكيرهم الموت- أن يكونوا ذوي رقة و لين- و ضعف قلب و خور طبع- و هاتان حالتان متضادتان و قد اجتمعتا له ع- . و منها أن الغالب على ذوي الشجاعة و إراقة الدماء- أن يكونوا ذوي أخلاق سبعية- و طباع حوشية و غرائز وحشية- و كذلك الغالب على أهل الزهادة- و أرباب الوعظ و التذكير و رفض الدنيا- أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق- و عبوس في الوجوه و نفار من الناس و استيحاش- و أمير المؤمنين ع كان أشجع الناس- و أعظمهم إراقة للدم- و أزهد الناس و أبعدهم عن ملاذ الدنيا- و أكثرهم وعظا و تذكيرا بأيام الله و مثلاته- و أشدهم اجتهادا في العبادة و آدابا لنفسه في المعاملة- و كان مع ذلك ألطف العالم أخلاقا- و أسفرهم وجها و أكثرهم بشرا و أوفاهم هشاشة- و أبعدهم عن انقباض موحش أو خلق نافر- أو تجهم مباعد أو غلظة و فظاظة تنفر معهما نفس- أو يتكدر معهما قلب- حتى عيب بالدعابة- و لما لم يجدوا فيه مغمزا و لا مطعنا تعلقوا بها- و اعتمدوا في التنفير عنه عليها-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 1 صفحهى 170
- . و للناقة أربعة أخلاف خلفان قادمان و خلفان آخران- و كل اثنين منهما شطر- و تشطرا ضرعيها اقتسما فائدتهما و نفعهما- و الضمير للخلافة و سمى القادمين معا ضرعا- و سمى الآخرين معا ضرعا لما كانا لتجاورهما- و لكونهما لا يحلبان إلا معا كشيء واحد- . قوله ع فجعلها في حوزة خشناء- أي في جهة صعبة المرام شديدة الشكيمة- و الكلم الجرح- . و قوله يغلظ- من الناس من قال كيف قال يغلظ كلمها- و الكلم لا يوصف بالغلظ و هذا قلة فهم بالفصاحة- أ لا ترى كيف قد وصف الله سبحانه العذاب بالغلظ- فقال وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ أي متضاعف- لأن الغليظ من الأجسام هو ما كثف و جسم- فكان أجزاؤه و جواهره متضاعفة- فلما كان العذاب أعاذنا الله منه متضاعفا سمي غليظا- و كذلك الجرح إذا أمعن و عمق- فكأنه قد تضاعف و صار جروحا فسمي غليظا- . إن قيل قد قال ع في حوزة خشناء فوصفها بالخشونة- فكيف أعاد ذكر الخشونة ثانية فقال يخشن مسها- . قيل الاعتبار مختلف- لأن مراده بقوله في حوزة خشناء- أي لا ينال ما عندها و لا يرام- يقال إن فلانا لخشن الجانب و وعر الجانب- و مراده بقوله يخشن مسها- أي تؤذي و تضر و تنكئ من يمسها- يصف جفاء أخلاق الوالي المذكور- و نفور طبعه و شدة بادرته- . قوله ع و يكثر العثار فيها و الاعتذار منها- يقول ليست هذه الجهة جددا مهيعا- بل هي كطريق كثير الحجارة لا يزال الماشي فيه عاثرا- . و أما منها في قوله ع و الاعتذار منها- فيمكن أن تكون من على أصلها- يعني أن عمر كان كثيرا ما يحكم بالأمر ثم ينقضه- و يفتي بالفتيا ثم يرجع عنها- و يعتذر مما أفتى به أولا- و يمكن أن تكون من هاهنا للتعليل و السببية- أي و يكثر اعتذار الناس عن أفعالهم و حركاتهم لأجلها- قال
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 1 صفحهى 181
مثل قول أنس- فقال للهرمزان ويحك أ تخدعني- و الله لأقتلنك إلا أن تسلم ثم أومأ إلى أبي طلحة- فقال الهرمزان أشهد أن لا إله إلا الله- و أشهد أن محمدا رسول الله فأمنه و أنزله المدينة- . سأل عمر عمرو بن معديكرب عن السلاح- فقال له ما تقول في الرمح قال أخوك و ربما خانك- قال فالنبل قال رسل المنايا تخطئ و تصيب- قال فالدرع قال مشغلة للفارس متعبة للراجل- و إنها مع ذلك لحصن حصين- قال فالترس قال هو المجن و عليه تدور الدوائر- قال فالسيف قال هناك قارعت أمك الهبل- قال بل أمك قال و الحمى أضرعتني لك- . و أول من ضرب عمر بالدرة أم فروة بنت أبي قحافة- مات أبو بكر فناح النساء عليه و فيهن أخته أم فروة- فنهاهن عمر مرارا و هن يعاودن- فأخرج أم فروة من بينهن و علاها بالدرة- فهربن و تفرقن- . كان يقال درة عمر أهيب من سيف الحجاج- و في الصحيح أن نسوة كن عند رسول الله ص قد كثر لغطهن- فجاء عمر فهربن هيبة له- فقال لهن يا عديات أنفسهن- أ تهبنني و لا تهبن رسول الله- قلن نعم أنت أغلظ و أفظ- . و كان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه- و يفتي بضده و خلافه- قضى في الجد مع الإخوة قضايا كثيرة مختلفة- ثم خاف من الحكم في هذه المسألة- فقال من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم- فليقل في الجد برأيه- . و قال مرة لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي- إلا ارتجعت ذلك منها- فقالت له امرأة ما جعل الله لك ذلك- إنه تعالى قال وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً- أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً- فقال كل النساء أفقه من عمر حتى ربات الحجال- أ لا تعجبون من إمام أخطأ و امرأة أصابت- فاضلت إمامكم ففضلته- . و مر يوما بشاب من فتيان الأنصار و هو ظمآن- فاستسقاه فجدح له ماء بعسل فلم يشربه- و قال إن الله تعالى يقول أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا- فقال له الفتى يا أمير المؤمنين- إنها ليست لك و لا لأحد من هذه القبيلة- اقرأ ما قبلها وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ- أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا- فقال عمر كل الناس أفقه من عمر- . و قيل إن عمر كان يعس بالليل- فسمع صوت رجل و امرأة في بيت فارتاب- فتسور الحائط فوجد امرأة و رجلا و عندهما زق خمر- فقال يا عدو الله- أ كنت ترى أن الله يسترك و أنت على معصيته- قال يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت في واحدة- فقد أخطأت في ثلاث- قال الله تعالى وَ لا تَجَسَّسُوا و قد تجسست- و قال وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها و قد تسورت- و قال فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا و ما سلمت- . و قال متعتان كانتا على عهد رسول الله و أنا محرمهما- و معاقب عليهما- متعة النساء و متعة الحج- و هذا الكلام و إن كان ظاهره منكرا- فله عندنا مخرج و تأويل- و قد ذكره أصحابنا الفقهاء في كتبهم- . و كان في أخلاق عمر و ألفاظه جفاء و عنجهية ظاهرة- يحسبه السامع لها أنه أراد بها ما لم يكن قد أراد- و يتوهم من تحكى له أنه قصد بها ظاهرا ما لم يقصده- فمنها الكلمة التي قالها في مرض رسول الله ص- و معاذ الله أن يقصد بها ظاهرها- و لكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته و لم يتحفظ منها- و كان الأحسن أن يقول مغمور أو مغلوب بالمرض- و حاشاه أن يعني بها غير ذلك- . و لجفاة الأعراب من هذا الفن كثير- سمع سليمان بن عبد الملك أعرابيا يقول في سنة قحط-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 1 صفحهى 252
و في الحديث أن رجلا قال له يا رسول الله- إني أحب أن أنكح فلانة إلا أن في أخلاق أهلها دقه- فقال له إياك و خضراء الدمن- إياك و المرأة الحسناء في منبت السوء
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 2 صفحهى 64
- . فسار حتى قدم على معاوية و عرف حاجة معاوية إليه- فباعده من نفسه و كايد كل واحد منهما صاحبه- . فقال له معاوية يوم دخل عليه أبا عبد الله- طرقتنا في ليلتنا ثلاثة أخبار ليس فيها ورد و لا صدر- قال و ما ذاك قال- منها أن محمد بن أبي حذيفة كسر سجن مصر- فخرج هو و أصحابه- و هو من آفات هذا الدين- و منها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام- و منها أن عليا نزل الكوفة و تهيأ للمسير إلينا- . فقال عمرو ليس كل ما ذكرت عظيما- أما ابن أبي حذيفة- فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه- أن تبعث إليه رجلا يقتله أو يأتيك به- و إن قاتل لم يضرك- و أما قيصر فأهد له الوصائف و آنية الذهب و الفضة- و سله الموادعة فإنه إليها سريع- و أما علي فلا- و الله يا معاوية ما يسوي العرب بينك و بينه- في شيء من الأشياء- و إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش- و إنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه- هكذا في رواية نصر بن مزاحم عن محمد بن عبيد الله- . و روى نصر أيضا عن عمر بن سعد قال- قال معاوية لعمرو يا أبا عبد الله- إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى الله- و شق عصا المسلمين- و قتل الخليفة و أظهر الفتنة- و فرق الجماعة و قطع الرحم- فقال عمرو من هو قال علي- قال و الله يا معاوية ما أنت و علي بحملي بعير- ليس لك هجرته و لا سابقته- و لا صحبته و لا جهاده و لا فقهه و لا علمه- و و الله إن له مع ذلك لحظا في الحرب- ليس لأحد غيره- و لكني قد تعودت من الله تعالى إحسانا و بلاء جميلا- فما تجعل لي إن شايعتك على حربه- و أنت تعلم ما فيه من الغرر و الخطر قال حكمك- فقال مصر طعمة- فتلكأ عليه معاوية- . قال نصر و في حديث غير عمر بن سعد- فقال له معاوية يا أبا عبد الله- إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك- أنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا- قال عمرو دعني عنك- فقال معاوية إني لو شئت أن أمنيك و أخدعك لفعلت- قال عمرو لا لعمر الله ما مثلي يخدع- لأنا أكيس من ذلك- قال معاوية ادن مني أسارك فدنا منه عمرو ليساره- فعض معاوية أذنه- و قال هذه خدعة هل ترى في البيت أحدا- ليس غيري و غيرك- . قلت قال شيخنا أبو القاسم البلخي رحمه الله تعالى- قول عمرو له دعني عنك كناية عن الإلحاد بل تصريح به- أي دع هذا الكلام لا أصل له- فإن اعتقاد الآخرة- و أنها لا تباع بعرض الدنيا من الخرافات- . و قال رحمه الله تعالى و ما زال عمرو بن العاص ملحدا- ما تردد قط في الإلحاد و الزندقة- و كان معاوية مثله- و يكفي من تلاعبهما بالإسلام حديث السرار المروي- و أن معاوية عض أذن عمرو- أين هذا من سيرة عمر- و أين هذا من أخلاق علي ع و شدته في ذات الله- و هما مع ذلك يعيبانه بالدعابة- . قال نصر فأنشأ عمرو يقول-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 2 صفحهى 174
أَيُّهَا النَّاسُ- إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِي دَهْرٍ عَنُودٍ وَ زَمَنٍ شَدِيدٍ- يُعَدُّ فِيهِ الْمُحْسِنُ مُسِيئاً- وَ يَزْدَادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوّاً- لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا- وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّى تَحُلَّ بِنَا- وَ النَّاسُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ- مِنْهُمْ مَنْ لَا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ- إِلَّا مَهَانَةُ نَفْسِهِ وَ كَلَالَةُ حَدِّهِ- وَ نَضِيضُ وَفْرِهِ- وَ مِنْهُمْ الْمُصْلِتُ بِسَيْفِهِ وَ الْمُعْلِنُ بَشَرِّهِ- وَ الْمُجْلِبُ بِخَيْلِهِ وَ رَجِلِهِ- قَدْ أَشْرَطَ نَفْسَهُ وَ أَوْبَقَ دِينَهُ- لِحُطَامٍ يَنْتَهِزُهُ أَوْ مِقْنَبٍ يَقُودُهُ- أَوْ مِنْبَرٍ يَفْرَعُهُ- وَ لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً- وَ مِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآْخِرَةِ- وَ لَا يَطْلُبُ الآْخِرَةَ بِعَمَلِ الدُّنْيَا- قَدْ طَامَنَ مِنْ شَخْصِهِ- وَ قَارَبَ مِنْ خَطْوِهِ وَ شَمَّرَ مِنْ ثَوْبِهِ- وَ زَخْرَفَ مِنْ نَفْسِهِ لِلْأَمَانَةِ- وَ اتَّخَذَ سِتْرَ اللَّهِ ذَرِيعَةً إِلَى الْمَعْصِيَةِ- وَ مِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُئُولَةُ نَفْسِهِ- وَ انْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ- فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ- وَ تَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أَهْلِ الزَّهَادَةِ- وَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَ لَا مَغْدًى- وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ- وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ- فَهُمْ بَيْنَ شَرِيدٍ نَادٍّ- وَ خَائِفٍ مَقْمُوعٍ وَ سَاكِتٍ مَكْعُومٍ- وَ دَاعٍ مُخْلِصٍ وَ ثَكْلَانَ مُوجَعٍ- قَدْ أَخْمَلَتْهُمُ التَّقِيَّةُ وَ شَمِلَتْهُمُ الذِّلَّةُ- فَهُمْ فِي بَحْرٍ أُجَاجٍ- أَفْوَاهُهُمْ ضَامِزَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ قَرِحَةٌ- قَدْ وَعَظُوا حَتَّى مَلُّوا- وَ قُهِرُوا حَتَّى ذَلُّوا وَ قُتِلُوا حَتَّى قَلُّوا- فَلْتَكُنِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِكُمْ- أَصْغَرَ مِنْ حُثَالَةِ الْقَرَظِ- وَ قُرَاضَةِ الْجَلَمِ- وَ اتَّعِظُوا بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ- قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظَ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ- وَ ارْفُضُوهَا ذَمِيمَةً- فَإِنَّهَا قَدْ رَفَضَتْ مَنْ كَانَ أَشْغَفَ بِهَا مِنْكُمْ قال الرضي رحمه الله- و هذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية- و هي من كلام أمير المؤمنين ع الذي لا يشك فيه- و أين الذهب من الرغام- و أين العذب من الأجاج- و قد دل على ذلك الدليل الخريت- و نقده الناقد البصير- عمرو بن بحر الجاحظ- فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان و التبيين- و ذكر من نسبها إلى معاوية- ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها- جملته أنه قال و هذا الكلام بكلام علي ع أشبه- و بمذهبه في تصنيف الناس- و في الإخبار عما هم عليه من القهر و الإذلال- و من التقية و الخوف أليق- قال و متى وجدنا معاوية في حال من الأحوال- يسلك في كلامه مسلك الزهاد و مذاهب العباد دهر عنود جائر- عند عن الطريق يعند بالضم أي عدل و جار- و يمكن أن يكون من عند يعند بالكسر- أي خالف و رد الحق و هو يعرفه- إلا أن اسم الفاعل المشهور في ذلك عاند و عنيد- و أما عنود فهو اسم فاعل- من عند يعند بالضم- . قوله و زمن شديد أي بخيل- و منه قوله تعالى وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ- أي و إنه لبخيل لأجل حب الخير- و الخير المال- و قد روي و زمن كنود و هو الكفور- قال تعالى إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ- . و القارعة الخطب الذي يقرع أي يصيب- . قوله و نضيض وفره أي قلة ماله- و كان الأصل و نضاضة وفره- ليكون المصدر في مقابلة المصدر الأول- و هو كلالة حده- لكنه أخرجه على باب إضافة الصفة إلى الموصوف- كقولهم عليه سحق عمامة- و جرد قطيفة و أخلاق ثياب- . قوله و المجلب بخيله و رجله- المجلب اسم فاعل من أجلب عليهم- أي أعان عليهم- . و الرجل جمع راجل كالركب جمع راكب- و الشرب جمع شارب- و هذا من ألفاظ الكتاب العزيز- وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ- . و أشرط نفسه أي هيأها و أعدها للفساد في الأرض- . و أوبق دينه أهلكه- و الحطام المال و أصله ما تكسر من اليبيس- . ينتهزه يختلسه- . و المقنب خيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين- . و يفرعه يعلوه- و طامن من شخصه أي خفض- و قارب من خطوه لم يسرع و مشى رويدا- . و شمر من ثوبه قصره- و زخرف من نفسه حسن و نمق و زين- و الزخرف الذهب في الأصل- . و ضئوله نفسه حقارتها- و الناد المنفرد- و المكعوم من كعمت البعير- إذا شددت فمه- و الأجاج الملح- . و أفواههم ضامزة بالزاي أي ساكنة- قال بشر بن أبي خازم-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 5 صفحهى 173
- . قوله ع و اعلموا أنكم بعين الله- أي يراكم و يعلم أعمالكم- و الباء هاهنا كالباء في قوله- أنت بمرأى مني و مسمع- . قوله فعاودوا الكر- أي إذا كررتم على العدو كره فلا تقتصروا عليها- بل كروا كرة أخرى بعدها- ثم قال لهم- و استحيوا من الفرار فإنه عار في الأعقاب- أي في الأولاد- فإن الأبناء يعيرون بفرار الآباء- و يجوز أن يريد بالأعقاب جمع عقب- و هو العاقبة و ما يئول إليه الأمر- قال سبحانه خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً- أي خير عاقبة- فيعنى على هذا الوجه أن الفرار عار في عاقبة أمركم- و ما يتحدث به الناس في مستقبل الزمان عنكم- . ثم قال و نار يوم الحساب- لأن الفرار من الزحف ذنب عظيم- و هو عند أصحابنا المعتزلة من الكبائر- قال الله تعالى وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ- إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ- فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ- و الجهاد بين يدي الإمام كالجهاد بين يدي الرسول ع- . قوله ع و طيبوا عن أنفسكم نفسا- لما نصب نفسا على التمييز وحده- لأن التمييز لا يكون إلا واحدا- و إن كان في معنى الجمع- تقول انعموا بالا- و لا تضيقوا ذرعا- و أبقى الأنفس على جمعها- لما لم يكن به حاجة إلى توحيدها- يقول وطنوا أنفسكم على الموت و لا تكرهوه- و هونوه عليكم- تقول طبت عن مالي نفسا إذا هونت ذهابه- . و قوله و امشوا إلى الموت مشيا سجحا أي سهلا- و السجاحة السهولة- يقال في أخلاق فلان سجاحة- و من رواه سمحا أراد سهلا أيضا- . و السواد الأعظم يعني به جمهور أهل الشام- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 5 صفحهى 217
دعوت فلباني من القوم عصبةفوارس من همدان غير لئامفوارس من همدان ليسوا بعزلغداة الوغى من شاكر و شبامبكل رديني و عضب تخالهإذا اختلف الأقوام شعل ضراملهمدان أخلاق كرام تزينهمو بأس إذا لاقوا و حد خصامو جد و صدق في الحروب و نجدةو قول إذا قالوا بغير أثاممتى تأتهم في دارهم تستضيفهمتبت ناعما في خدمة و طعامجزى الله همدان الجنان فإنهاسمام العدا في كل يوم زحامفلو كنت بوابا على باب جنةلقلت لهمدان ادخلوا بسلام
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 6 صفحهى 209
و منها جهات أخرى يعرفها المنجمون فقط- على حسب فضل علمهم و دقة نظرهم في هذا العلم- و إذ قد وصفنا على سبيل الإجمال- ما يوجب حقيقة هذا العلم- فإنا نصف ما يمكن إدراكه به أو لا يمكن- فنقول لما كانت تغيرات الهواء- إنما تحدث بحسب أحوال الشمس و القمر- و الكواكب المتحيرة و الثابتة- صارت معرفة هذه التغيرات قد تدرك من النجوم- مع سائر ما يتبعها من الرياح و السحاب- و الأمطار و الثلج و البرد و الرعد و البرق- لأن الأشياء التي تلي الأرض- و تصل إليها هذه الآثار من الهواء المحيط بها- كانت الأعراض العامية التي- تعرض في هذه الأشياء تابعة لتلك الآثار- مثل كثرة مياه الأنهار و قلتها و كثرة الثمار و قلتها- و كثرة خصب الحيوان و قلته و الجدوبة و القحط- و الوباء و الأمراض التي تحدث في الأجناس و الأنواع- أو في جنس دون جنس أو في نوع دون نوع- و سائر ما يشاكل ذلك من الأحداث- . و لما كانت أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن- و كانت الأحداث التي ذكرناها مغيرة لمزاج البدن- صارت أيضا مغيرة للأخلاق- و لأن المزاج الأول الأصلي هو الغالب- على الإنسان في الأمر الأكثر- و كان المزاج الأصلي هو الذي- طبع عليه الإنسان في وقت كونه في الرحم- و في وقت مولده و خروجه إلى جو العالم- صار وقت الكون و وقت المولد- أدل الأشياء على مزاج الإنسان- و على أحواله التابعة للمزاج مثل خلقة البدن- و خلق النفس و المرض و الصحة و سائر ما يتبع ذلك- فهذه الأشياء و ما يشبهها من الأمور- التي لا تشارك شيئا من الأفعال الإرادية فيه- مما يمكن معرفته بالنجوم و أما الأشياء التي- تشارك الأمور الإرادية بعض المشاركة- فقد يمكن أن يصدق فيها هذا العلم على الأمر الأكثر- و إذا لم يستعمل فيه الإرادة- جرى على ما تقود إليه الطبيعة- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 6 صفحهى 294
و روى الشعبي- قال دخل عمرو بن العاص على معاوية يسأله حاجة- و قد كان بلغ معاوية عنه ما كرهه- فكره قضاءها و تشاغل- فقال عمرو يا معاوية إن السخاء فطنة و اللؤم تغافل- و الجفاء ليس من أخلاق المؤمنين- فقال معاوية يا عمرو- بما ذا تستحق منا قضاء الحوائج العظام- فغضب عمرو و قال بأعظم حق و أوجبه- إذ كنت في بحر عجاج- فلو لا عمرو لغرقت في أقل مائه و أرقه- و لكني دفعتك فيه دفعة فصرت في وسطه- ثم دفعتك فيه أخرى فصرت في أعلى المواضع منه- فمضى حكمك و نفذ أمرك- و انطلق لسانك بعد تلجلجه- و أضاء وجهك بعد ظلمته- و طمست لك الشمس بالعهن المنفوش- و أظلمت لك القمر بالليلة المدلهمة- . فتناوم معاوية و أطبق جفنيه مليا- فخرج عمرو فاستوى معاوية جالسا- و قال لجلسائه أ رأيتم ما خرج من فم ذلك الرجل- ما عليه لو عرض ففي التعريض ما يكفي- و لكنه جبهني بكلامه و رماني بسموم سهامه- . فقال بعض جلسائه يا أمير المؤمنين- إن الحوائج لتقضى على ثلاث خصال- إما أن يكون السائل لقضاء الحاجة مستحقا فتقضى له بحقه- و إما أن يكون السائل لئيما- فيصون الشريف نفسه عن لسانه فيقضي حاجته- و إما أن يكون المسئول كريما فيقضيها لكرمه- صغرت أو كبرت- . فقال معاوية لله أبوك ما أحسن ما نطقت- و بعث إلى عمرو فأخبره و قضى حاجته و وصله بصلة جليلة- فلما أخذها ولى منصرفا- فقال معاوية فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا- وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ- فسمعها عمرو فالتفت إليه مغضبا- و قال و الله يا معاوية لا أزال آخذ منك قهرا- و لا أطيع لك أمرا و أحفر لك بئرا عميقا- إذا وقعت فيه لم تدرك إلا رميما فضحك معاوية- فقال ما أريدك يا أبا عبد الله بالكلمة- و إنما كانت آية تلوتها من كتاب الله عرضت بقلبي- فاصنع ما شئت
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 6 صفحهى 327
- و الشجاع يعيب الجبان و ينسبه إلى الضعف- و يعتقد أن الجبن ذل و مهانة- و هكذا القول في جميع الأخلاق- و السجايا المقتسمة بين نوع الإنسان- و لما كان عمر شديد الغلظة وعر الجانب- خشن الملمس دائم العبوس- كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة و أن خلافه نقص- و لو كان سهلا طلقا مطبوعا على البشاشة و سماحة الخلق- لكان يعتقد أن ذاك هو الفضيلة و أن خلافه نقص- حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلي ع و خلق علي حاصل له- لقال في علي لو لا شراسة فيه- . فهو غير ملوم عندي فيما قاله- و لا منسوب إلى أنه أراد الغض من علي- و القدح فيه و لكنه أخبر عن خلقه- ظانا أن الخلافة لا تصلح- إلا لشديد الشكيمة العظيم الوعورة- و بمقتضى ما كان يظنه من هذا المعنى- تمم خلافة أبي بكر بمشاركته إياه- في جميع تدابيراته و سياسته و سائر أحواله- لرفق و سهولة كانت في أخلاق أبي بكر- و بمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده- كان يشير على رسول الله ص في مقامات كثيرة- و خطوب متعدة بقتل قوم كان يرى قتلهم- و كان النبي ص يرى استبقاءهم و استصلاحهم- فلم يقبل ع مشورته على هذا الخلق- . و أما إشارته عليه يوم بدر بقتل الأسرى- حيث أشار أبو بكر بالفداء- فكان الصواب مع عمر و نزل القرآن بموافقته- فلما كان في اليوم الثاني و هو يوم الحديبية- أشار بالحرب و كره الصلح فنزل القرآن بضد ذلك- فليس كل وقت يصلح تجريد السيف- و لا كل وقت يصلح إغماده- و السياسة لا تجري على منهاج واحد و لا تلزم نظاما واحدا- . و جملة الأمر أنه رضي الله عنه لم يقصد عيب علي ع- و لا كان عنده معيبا و لا منقوصا- أ لا ترى أنه قال في آخر الخبر أن أحراهم أن وليها- أن يحملهم على كتاب الله و سنة رسوله لصاحبك- ثم أكد ذلك بأن قال إن وليهم- ليحملنهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- فلو كان أطلق تلك اللفظة- و عنى بها ما حملها عليه الخصوم- لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله- . و أنت إذا تأملت حال علي ع في أيام رسول الله ص- وجدته بعيدا عن أن ينسب إلى الدعابة و المزاح- لأنه لم ينقل عنه شيء من ذلك أصلا- لا في كتب الشيعة و لا في كتب المحدثين- و كذلك إذا تأملت حاله في أيام الخليفتين أبي بكر و عمر- لم تجد في كتب السيرة حديثا واحدا- يمكن أن يتعلق به متعلق في دعابته و مزاحه- فكيف يظن بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل- و لا ندد به صديق و عدو- و إنما أراد سهولة خلقه لا غير- و ظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف إن ولي أمر الأمة- لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة- بناء على ما قد ألفته نفسه و طبعت عليه سجيته- و الحال في أيام عثمان- و أيام ولايته ع الأمر كالحال فيما تقدم- في أنه لم يظهر منه دعابة- و لا مزاح يسمى الإنسان لأجله ذا دعابة و لعب- و من تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول- و عرف أن عمرو بن العاص أخذ كلمة عمر- إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيبا- و زاد عليها أنه كثير اللعب- يعافس النساء و يمارسهن و أنه صاحب هزل- . و لعمر الله لقد كان أبعد الناس من ذلك- و أي وقت كان يتسع لعلي ع حتى يكون فيه على هذه الصفات- فإن أزمانه كلها في العبادة و الصلاة- و الذكر و الفتاوي و العلم- و اختلاف الناس إليه في الأحكام و تفسير القرآن- و نهاره كله أو معظمه مشغول بالصوم- و ليله كله أو معظمه مشغول بالصلاة هذا في أيام سلمه- فأما أيام حربه فبالسيف الشهير و السنان الطرير- و ركوب الخيل و قود الجيش و مباشرة الحروب- . و لقد صدق ع في قوله-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 6 صفحهى 337
- و لكنه خلق على سجية لطيفة و أخلاق سهلة و وجه طلق- و قول حسن و بشر ظاهر و ذلك من فضائله ع- و خصائصه التي منحه الله بشرفها و اختصه بمزيتها- و إنما كانت غلظته و فظاظته فعلا لا قولا- و ضربا بالسيف لا جبها بالقول- و طعنا بالسنان لا عضها باللسان كما قال الشاعر-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 6 صفحهى 340
و نحن نذكر بعد كلاما كليا- في سبب الغلظة و الفظاظة- و هو الخلق المنافي للخلق الذي كان عليه أمير المؤمنين- فنقول إنه قد يكون لأمر عائد إلى المزاج الجسماني- و قد يكون لأمر راجع إلى النفس- فأما الأول- فإنما يكون من غلبة الأخلاط السوداوية و ترمدها- و عدم صفاء الدم و كثرة كدرته و عكره- فإذا غلظ الدم و ثخن غلظ الروح النفساني و ثخن أيضا- لأنه متولد من الدم- فيحدث منه نوع مما يحدث لأصحاب الفطرة- من الاستيحاش و النبوة عن الناس- و عدم الاستئناس و البشاشة- و صار صاحبه ذا جفاء و أخلاق غليظة- و يشبه أن يكون هذا سببا ماديا- فإن الذي يقوى في نفسي- أن النفوس إن صحت و ثبتت مختلفة بالذات- . و أما الراجع إلى النفس- فأن يجتمع عندها أسقاط و أنصباء من قوى مختلفة مذمومة- نحو أن تكون القوة الغضبية عندها متوافرة- و ينضاف إليها تصور الكمال في ذاتها- و توهم النقصان في غيرها- فيعتقد أن حركات غيره واقعة على غير الصواب- و أن الصواب ما توهمه- . و ينضاف إلى ذلك قلة أدب النفس- و عدم الضبط لها و استحقارها للغير- و يقل التوقير له و ينضاف إلى ذلك لجاج- و ضيق في النفس و حدة و استشاطة و قلة صبر عليه- فيتولد من مجموع هذه الأمور خلق دني- و هو الغلظة و الفظاظة و الوعورة و البادرة المكروهة- و عدم حبه الناس و لقاؤهم بالأذى و قلة المراقبة لهم- و استعمال القهر في جميع الأمور و تناول الأمر من السماء- و هو قادر على أن يتناوله من الأرض- . و هذا الخلق خارج عن الاعتدال و داخل في حيز الجور- و لا ينبغي أن يسمى بأسماء المدح- و أعني بذلك أن قوما يسمون هذا النوع من العنف- و الخلق الوعر رجولية و شدة و شكيمة- و يذهبون به مذهب قوة النفس و شجاعتها- الذي هو بالحقيقة مدح و شتان بين الخلقين- فإن صاحب هذا الخلق الذي ذممناه- تصدر عنه أفعال كثيرة يجور فيها على نفسه ثم على إخوانه- على الأقرب فالأقرب من معامليه- حتى ينتهي إلى عبيده و حرمه- فيكون عليهم سوط عذاب لا يقيلهم عثرة- و لا يرحم لهم عبرة و إن كانوا برآء الذنوب- غير مجرمين و لا مكتسبي سوء بل يتجرم عليهم- و يهيج من أدنى سبب يجد به طريقا إليهم-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 8 صفحهى 212
قال و كان قرطاس الرامي لأبي أحمد- يصيح بأبي العباس في الحرب- إذا أخذتني فاجعلني كردناجا يهزأ به- . قال فلما ظفر به أدخل في دبره سيخا من حديد- فأخرجه من فيه و جعله على النار كردناجا- . قال أبو جعفر- ثم تتابع مجيء الزنج إلى أبي أحمد في الأمان- فحضر منهم في ثلاثة أيام نحو سبعة آلاف زنجي- لما عرفوا قتل صاحبهم- و رأى أبو أحمد بذل الأمان لهم- كي لا يبقى منهم بقية- يخاف معرتها في الإسلام و أهله- و انقطعت منهم قطعة نحو ألف زنجي مالت نحو البر- فمات أكثرها عطشا- و ظفر الأعراب بمن سلم منهم- فاسترقوهم و أقام الموفق بالموفقية- بعد قتل الناجم مدة- ليزداد الناس بمقامه أنسا و أمانا- و يتراجع أهل البلاد إليها- فقد كان الناجم أجلاهم عنها- و قدم ابنه أبو العباس إلى بغداد- و معه رأس الناجم- فدخلها يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة- بقين من جمادى الأولى من هذه السنة- و رأس الناجم بين يديه على قناة- و الناس مجتمعون يشاهدونه- . و قد روى غير أبي جعفر- و ذكره الآبي في مجموعة المسمى نثر الدرر- عن العلاء بن صاعد بن مخلد- قال لما حمل رأس صاحب الزنج- و دخل به المعتضد إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله- و اشتق أسواق بغداد و الرأس بين يديه- فلما صرنا بباب الطاق صاح قوم من درب من تلك الدروب- رحم الله معاوية و زاد- حتى علت أصوات العامة بذلك فتغير وجه المعتضد- و قال أ لا تسمع يا أبا عيسى ما أعجب هذا- و ما الذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت- و الله لقد بلغ أبي إلى الموت- و ما أفلت أنا إلا بعد مشارفته و لقينا كل جهد و بلاء- حتى أنجينا هؤلاء الكلاب من عدوهم- و حصنا حرمهم و أولادهم- فتركوا أن يترحموا على العباس- و عبد الله ابنه و من ولد من الخلفاء- و تركوا الترحم على علي بن أبي طالب- و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين- و الله لا برحت أو أؤثر في تأديب هؤلاء أثرا- لا يعاودون بعد هذا الفعل مثله- ثم أمر بجمع النفاطين ليحرق الناحية- فقلت له أيها الأمير أطال الله بقاءك- إن هذا اليوم من أشرف أيام الإسلام- فلا تفسده بجهل عامة لا أخلاق لهم- و لم أزل أداريه و أرفق به حتى سار- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 10 صفحهى 17
- و من المحدثين من يرويه حفت فيهما- و ليس منهم من يرويه حجبت في النار- و ذلك لأن لفظ الحجاب- إنما يستعمل فيما يرام دخوله- و ولوجه لمكان النفع فيه- و يقال حجب زيد عن مأدبة الأمير- و لا يقال حجب زيد عن الحبس- . ثم ذكر ع أنه لا طاعة إلا في أمر تكرهه النفس- و لا معصية إلا بمواقعة أمر تحبه النفس و هذا حق- لأن الإنسان ما لم يكن متردد الدواعي لا يصح التكليف- و إنما تتردد الدواعي إذا أمر بما فيه مشقة- أو نهي عما فيه لذة و منفعة- . فإن قلت أ ليس قد أمر الإنسان بالنكاح و هو لذة- قلت ما فيه من ضرر الإنفاق- و معالجة أخلاق النساء يربي على اللذة الحاصلة فيه مرارا- . ثم قال ع رحم الله امرأ نزع عن شهوته أي أقلع- . و قمع هوى نفسه أي قهره- . ثم قال فإن هذه النفس أبعد شيء منزعا أي مذهبا- قال أبو ذؤيب
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 10 صفحهى 150
هذه الألفاظ التي أولها قوة في دين- بعضها يتعلق حرف الجر فيه بالظاهر- فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و بعضها يتعلق بمحذوف- فيكون موضعه نصبا أيضا على الصفة و نحن نفصلها- . فقوله قوة في دين حرف الجر هاهنا متعلق بالظاهر- و هو قوة تقول فلان قوي في كذا و على كذا- كما تقول مررت بكذا و بلغت إلى كذا- . و و حزما في لين هاهنا لا يتعلق حرف الجر بالظاهر- لأنه لا معنى له- أ لا ترى أنك لا تقول فلان حازم في اللين- لأن اللين ليس أمرا يحزم الإنسان فيه- و ليس كما تقول فلان حازم في رأيه أو في تدبيره- فوجب أن يكون حرف الجر متعلقا بمحذوف- تقديره و حزما كائنا في لين- . و كذلك قوله و إيمانا في يقين- حرف الجر متعلق بمحذوف أي كائنا في يقين أي مع يقين- . فإن قلت الإيمان هو اليقين فكيف قال و إيمانا في يقين- قلت الإيمان هو الاعتقاد مضافا إلى العمل- و اليقين هو سكون القلب فقط فأحدهما غير الآخر- . قوله و حرصا في علم حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر- و في بمعنى على- كقوله تعالى لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ- . قوله و قصدا في غنى حرف الجر متعلق بمحذوف- أي هو مقتصد مع كونه غنيا- و ليس يجوز أن يكون متعلقا بالظاهر- لأنه لا معنى لقولك اقتصد في الغنى- إنما يقال اقتصد في النفقة- و ذلك الاقتصاد موصوف بأنه مقارن للغنى و مجامع له- . قوله و خشوعا في عبادة- حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين معا- . قوله و تجملا في فاقة- حرف الجر هاهنا متعلق بمحذوف- و لا يصح تعلقه بالظاهر- لأنه إنما يقال فلان يتجمل في لباسه و مروءته- مع كونه ذا فاقة- و لا يقال يتجمل في الفاقة- على أن يكون التجمل متعديا إلى الفاقة- . قوله و صبرا في شدة حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- . قوله و طلبا في حلال حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر- و في بمعنى اللام- . قوله و نشاطا في هدى حرف الجر هاهنا يحتمل الأمرين- . قوله و تحرجا عن طمع- حرف الجر هاهنا يتعلق بالظاهر لا غير- . قوله يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل- قد تقدم مثله- . قوله يمسي و همه الشكر- هذه درجة عظيمة من درجات العارفين- و قد أثنى الله تعالى على الشكر و الشاكرين- في كتابه في مواضع كثيرة- نحو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ- فقرن الشكر بالذكر- . و قال تعالى- ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ- . و قال تعالى وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ- . و لعلو مرتبة الشكر طعن إبليس في بني آدم- فقال وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ- و قد صدقه الله تعالى في هذا القول فقال- وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ- . و قال بعض أصحاب المعاني- قد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر و لم يستثن- فقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ- . و استثنى في خمسة أمور- و هي الإغناء و الإجابة و الرزق و المغفرة و التوبة- . فقال فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ- . و قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ- . و قال يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ- . و قال وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ- . و قال وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ- . و قال بعضهم كيف لا يكون الشكر مقاما جليلا- و هو خلق من أخلاق الربوبية- قال تعالى في صفة نفسه وَ اللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ- . و قد جعل الله تعالى مفتاح كلام أهل الجنة- فقال وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ- و جعله خاتمة كلامهم أيضا فقال- وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 10 صفحهى 220
و كان يقول من تأمل حال الرجلين- وجدهما متشابهتين في جميع أمورهما أو في أكثرها- و ذلك لأن حرب رسول الله ص مع المشركين كانت سجالا- انتصر يوم بدر و انتصر المشركون عليه يوم أحد- و كان يوم الخندق كفافا خرج هو و هم سواء لا عليه و لا له- لأنهم قتلوا رئيس الأوس و هو سعد بن معاذ- و قتل منهم فارس قريش و هو عمرو بن عبد ود- و انصرفوا عنه بغير حرب بعد تلك الساعة التي كانت- ثم حارب بعدها قريشا يوم الفتح فكان الظفر له- . و هكذا كانت حروب علي ع انتصر يوم الجمل- و خرج الأمر بينه و بين معاوية على سواء- قتل من أصحابه رؤساء و من أصحاب معاوية رؤساء- و انصرف كل واحد من الفريقين عن صاحبه بعد الحرب على مكانه- ثم حارب بعد صفين أهل النهروان فكان الظفر له- . قال و من العجب أن أول حروب رسول الله ص كانت بدرا- و كان هو المنصور فيها- و أول حروب علي ع الجمل- و كان هو المنصور فيها- ثم كان من صحيفة الصلح و الحكومة يوم صفين- نظير ما كان من صحيفة الصلح و الهدنة يوم الحديبية- ثم دعا معاوية في آخر أيام علي ع إلى نفسه و تسمى بالخلافة- كما أن مسيلمة و الأسود العنسي دعوا إلى أنفسهما- في آخر أيام رسول الله ص و تسميا بالنبوة- و اشتد على علي ع ذلك- كما اشتد على رسول الله ص أمر الأسود و مسيلمة- و أبطل الله أمرهما بعد وفاة النبي ص- و كذلك أبطل أمر معاوية و بني أمية بعد وفاة علي ع- و لم يحارب رسول الله ص أحد من العرب إلا قريش- ما عدا يوم حنين- و لم يحارب عليا ع من العرب أحد- إلا قريش ما عدا يوم النهروان- و مات علي ع شهيدا بالسيف- و مات رسول الله ص شهيدا بالسم- و هذا لم يتزوج على خديجة أم أولاده حتى ماتت- و هذا لم يتزوج على فاطمة أم أشرف أولاده حتى ماتت- و مات رسول الله ص عن ثلاث و ستين سنة- و مات علي ع عن مثلها- . و كان يقول انظروا إلى أخلاقهما و خصائصهما- هذا شجاع و هذا شجاع و هذا فصيح و هذا فصيح- و هذا سخي جواد و هذا سخي جواد- و هذا عالم بالشرائع و الأمور الإلهية- و هذا عالم بالفقه و الشريعة- و الأمور الإلهية الدقيقة الغامضة- و هذا زاهد في الدنيا غير نهم و لا مستكثر منها- و هذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها- و هذا مذيب نفسه في الصلاة و العبادة و هذا مثله- و هذا غير محبب إليه شيء من الأمور العاجلة إلا النساء- و هذا مثله- و هذا ابن عبد المطلب بن هاشم و هذا في قعدده- و أبواهما أخوان لأب و أم دون غيرهما من بني عبد المطلب- و ربي محمد ص في حجر والد هذا و هذا أبو طالب- فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده- ثم لما شب ص و كبر استخلصه من بني أبي طالب و هو غلام- فرباه في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به- فامتزج الخلقان و تماثلت السجيتان- و إذا كان القرين مقتديا بالقرين- فما ظنك بالتربية و التثقيف الدهر الطويل- فواجب أن تكون أخلاق محمد ص كأخلاق أبي طالب- و تكون أخلاق علي ع كأخلاق أبي طالب أبيه- و محمد ع مربيه- و أن يكون الكل شيمة واحدة و سوسا واحدا- و طينة مشتركة و نفسا غير منقسمة و لا متجزئة- و ألا يكون بين بعض هؤلاء و بعض فرق و لا فضل- لو لا أن الله تعالى اختص محمدا ص برسالته و اصطفاه لوحيه- لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك- و من أن اللطف به أكمل و النفع بمكانه أتم و أعم- فامتاز رسول الله ص بذلك عمن سواه- و بقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد- و إلى هذا المعنى
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 10 صفحهى 274
و لا بد من قول ينفع- إذ قد أضر السكوت و خيف غبه- و لقد أرشدك من أفاء ضالتك- و صافاك من أحيا مودته لك بعتابك- و أراد الخير بك من آثر البقيا معك- . ما هذا الذي تسول لك نفسك و يدوى به قلبك- و يلتوي عليه رأيك و يتخاوص دونه طرفك- و يستشري به ضغنك و يتراد معه نفسك- و تكثر لأجله صعداؤك- و لا يفيض به لسانك أ عجمة بعد إفصاح- أ لبسا بعد إيضاح أ دينا غير دين الله- أ خلقا غير خلق القرآن أ هديا غير هدي محمد- أ مثلي يمشى له الضراء و يدب له الخمر- أم مثلك يغص عليه الفضاء و يكسف في عينه القمر- ما هذه القعقعة بالشنان و الوعوعة باللسان- إنك لجد عارف باستجابتنا لله و لرسوله- و خروجنا من أوطاننا و أولادنا و أحبتنا- هجرة إلى الله و نصرة لدينه- في زمان أنت منه في كن الصبا و خدر الغرارة غافل- تشبب و تربب لا تعي ما يشاد و يراد- و لا تحصل ما يساق و يقاد- سوى ما أنت جار عليه من أخلاق الصبيان أمثالك- و سجايا الفتيان أشكالك- حتى بلغت إلى غايتك هذه التي إليها أجريت- و عندها حط رحلك غير مجهول القدر و لا مجحود الفضل- و نحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرواسي- و نقاسي أهوالا تشيب النواصي خائضين غمارها- راكبين تيارها نتجرع صلبها- و نشرج عيابها و نحكم آساسها و نبرم أمراسها- و العيون تحدج بالحسد و الأنوف تعطس بالكبر- و الصدور تستعر بالغيظ- و الأعناق تتطاول بالفخر و الأسنة تشحذ بالمكر- و الأرض تميد بالخوف- لا ننتظر عند المساء صباحا و لا عند الصباح مساء- و لا ندفع في نحر أمر إلا بعد أن نحسو الموت دونه- و لا نبلغ إلى شيء إلا بعد تجرع العذاب قبله- و لا نقوم منآدا إلا بعد اليأس من الحياة عنده- فأدين في كل ذلك رسول الله ص بالأب و الأم- و الخال و العم و المال و النشب و السبد و اللبد- و الهلة و البلة بطيب أنفس و قرة أعين- و رحب أعطان و ثبات عزائم و صحة عقول- و طلاقة أوجه و ذلاقة ألسن- هذا إلى خبيئات أسرار و مكنونات أخبار- كنت عنها غافلا- و لو لا سنك لم تك عن شيء منها ناكلا- كيف و فؤادك مشهوم- و عودك معجوم و غيبك مخبور- و الخير منك كثير فالآن قد بلغ الله بك- و أرهص الخير لك و جعل مرادك بين يديك- فاسمع ما أقول لك و اقبل ما يعود قبوله عليك- و دع التحبس و التعبس
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 12 صفحهى 50
و روى الزبير في الموفقيات عن عبد الله بن عباس- قال خرجت أريد عمر بن الخطاب فلقيته راكبا حمارا- و قد ارتسنه بحبل أسود في رجليه نعلان مخصوفتان- و عليه إزار و قميص صغير- و قد انكشفت منه رجلاه إلى ركبتيه- فمشيت إلى جانبه و جعلت أجذب الإزار و أسويه عليه- كلما سترت جانبا انكشف جانب- فيضحك و يقول إنه لا يطيعك- حتى جئنا العالية فصلينا- ثم قدم بعض القوم إلينا طعاما من خبز و لحم- و إذا عمر صائم فجعل ينبذ إلي طيب اللحم- و يقول كل لي و لك- ثم دخلنا حائطا فألقى إلي رداءه و قال اكفنيه- و ألقى قميصه بين يديه و جلس يغسله و أنا أغسل رداءه- ثم جففناهما و صلينا العصر- فركب و مشيت إلى جانبه و لا ثالث لنا- . فقلت يا أمير المؤمنين إني في خطبة فأشر علي- قال و من خطبت قلت فلانة ابنة فلان- قال النسب كما تحب و كما قد علمت- و لكن في أخلاق أهلها دقة- لا تعدمك أن تجدها في ولدك- قلت فلا حاجة لي إذا فيها- قال فلم لا تخطب إلى ابن عمك يعني عليا- قلت أ لم تسبقني إليه- قال فالأخرى قلت هي لابن أخيه- قال يا ابن عباس إن صاحبكم إن ولي هذا الأمر- أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به- فليتني أراكم بعدي قلت يا أمير المؤمنين إن صاحبنا ما قد علمت- أنه ما غير و لا بدل و لا أسخط رسول الله ص أيام صحبته له- . قال فقطع علي الكلام- فقال و لا في ابنة أبي جهل- لما أراد أن يخطبها على فاطمة- . قلت قال الله تعالى وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً- و صاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله ص- و لكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه- و ربما كان من الفقيه في دين الله- العالم العامل بأمر الله- . فقال يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم- فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها- فقد ظن عجزا- أستغفر الله لي و لك خذ في غيرها- . ثم أنشأ يسألني عن شيء من أمور الفتيا و أجيبه- فيقول أصبت أصاب الله بك- أنت و الله أحق أن تتبع- . أشرف عبد الملك على أصحابه و هم يتذاكرون سيرة عمر- فغاظه ذلك و قال إيها عن ذكر سيرة عمر- فإنها مزراة على الولاة مفسدة للرعية- . قال ابن عباس كنت عند عمر- فتنفس نفسا ظننت أن أضلاعه قد انفرجت- فقلت ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين- إلا هم شديد- قال إي و الله يا ابن عباس- إني فكرت فلم أدر فيمن أجعل هذا الأمر بعدي- ثم قال لعلك ترى صاحبك لها أهلا- قلت و ما يمنعه من ذلك- مع جهاده و سابقته و قرابته و علمه- قال صدقت و لكنه امرؤ فيه دعابة- قلت فأين أنت عن طلحة قال ذو البأو- و بإصبعه المقطوعة قلت فعبد الرحمن- قال رجل ضعيف- لو صار الأمر إليه لوضع خاتمه في يد امرأته- قلت فالزبير قال شكس لقس- يلاطم في النقيع في صاع من بر- قلت فسعد بن أبي وقاص- قال صاحب سلاح و مقنب- قلت فعثمان قال أوه ثلاثا- و الله لئن وليها ليحملن بني أبي معيط على رقاب الناس- ثم لتنهض العرب إليه- . ثم قال يا ابن عباس- إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا خصيف العقدة- قليل الغرة لا تأخذه في الله لومة لائم- ثم يكون شديدا من غير عنف- لينا من غير ضعف سخيا من غير سرف- ممسكا من غير وكف- قال ابن عباس و كانت و الله هي صفات عمر- . قال ثم أقبل علي بعد أن سكت هنيهة- و قال أجرؤهم و الله إن وليها أن يحملهم على كتاب ربهم- و سنة نبيهم لصاحبك- أما إن ولى أمرهم- حملهم على المحجة البيضاء و الصراط المستقيم- . و روى عبد الله بن عمر قال كنت عند أبي يوما- و عنده نفر من الناس- فجرى ذكر الشعر فقال من أشعر العرب- فقالوا فلان و فلان- فطلع عبد الله بن عباس فسلم و جلس- فقال عمر قد جاءكم الخبير- من أشعر الناس يا عبد الله- قال زهير بن أبي سلمى- قال فأنشدني مما تستجيده له- فقال يا أمير المؤمنين إنه مدح قوما من غطفان- يقال لهم بنو سنان فقال-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 12 صفحهى 69
- فلما كان على عهد عمر طلق نساءه الأربع- و قسم ماله بين بنيه- فبلغ ذلك عمر فأحضره- فقال له إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع- سمع بموتك فقذفه في نفسك- و لعلك لا تمكث إلا قليلا- و ايم الله لتراجعن نساءك- و لترجعن في مالك- أو لأورثنهن منك- و لآمرن بقبرك فيرجم- كما رجم قبر أبي رغال و قال عمر- إن الجزف في المعيشة أخوف عندي عليكم من العيال- أنه لا يبقى مع الفساد شيء- و لا يقل مع الإصلاح شيء- . و كان عمر يقول أدبوا الخيل- و انتضلوا و اقعدوا في الشمس- و لا يجاورنكم الخنازير- و لا تقعدوا على مائدة يشرب عليها الخمر- أو يرفع عليها الصليب- و إياكم و أخلاق العجم- و لا يحل لمؤمن أن يدخل الحمام إلا مؤتزرا- و لا لامرأة أن تدخل الحمام إلا من سقم- فإذا وضعت المرأة خمارها في غير بيت زوجها- فقد هتكت الستر بينها و بين الله تعالى- . و كان يكره أن يتزيا الرجال بزي النساء- و ألا يزال الرجل يرى مكتحلا مدهنا- و أن يحف لحيته و شاربه كما تحف المرأة- . سمع عمر سائلا يقول من يعشي السائل- فقال عشوا سائلكم- ثم جاء إلى دار إبل الصدقة يعشيها- فسمع صوته مرة أخرى- من يعشي السائل- فقال أ لم آمركم أن تعشوه فقالوا قد عشيناه- فأرسل إليه عمر و إذا معه جراب مملوء خبزا- فقال إنك لست سائلا إنما أنت تاجر تجمع لأهلك- فأخذ بطرف الجراب فنبذه بين يدي الإبل- . و قال عمر من مزح استخف به- و قال أ تدرون لم سمي المزاح مزاحا- لأنه أزاح الناس عن الحق- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 12 صفحهى 71
و قال في النساء استعينوا عليهن بالعري- فإن إحداهن إذا كثرت ثيابها- و حسنت زينتها أعجبها الخروج- . و من كلامه إن الجبت السحر و إن الطاغوت الشيطان- و إن الجبن و الشجاعة غرائز تكون في الرجال- يقاتل الشجاع عمن لا يعرف- و يفر الجبان عن أمه- و إن كرم الرجل دينه- و حسب الرجل خلقه- و إن كان فارسيا أو نبطيا- . و قال تفهموا العربية- فإنها تشحذ العقل و تزيد في المروءة- . و قال النساء ثلاث- امرأة هينة لينة عفيفة ودود ولود- تعين بعلها على الدهر- و لا تعين الدهر على بعلها و قلما تجدها- و أخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك شيئا- و الثالثة غل قمل- يجعله الله في عنق من يشاء- و ينزعه إذا شاء- . و الرجال ثلاثة- رجل عاقل يورد الأمور و يصدرها- فيحسن إيرادا و إصدارا- و آخر يشاور الرجال و يقف عند آرائهم- و الثالث حائر بائر لا يأتمر رشدا- و لا يطيع مرشدا- . و قال ما يمنعكم إذا رأيتم السفيه- يخرق أعراض النساء أن تعربوا عليه- قالوا نخاف لسانه قال ذاك أدنى ألا تكونوا شهداء- . و رأى رجلا عظيم البطن- فقال ما هذا قال بركة من الله- . و قال إذا رزقت مودة من أخيك- فتشبث بها ما استطعت- . و قال لقوم يحصدون الزرع- إن الله جعل ما أخطأت أيديكم رحمة لفقرائكم- فلا تعودوا فيه- . و قال ما ظهرت قط نعمه على أحد إلا وجدت له حاسدا- و لو أن أمرا كان أقوم من قدح لوجدت له غامزا- . و قال إياكم و المدح فإنه الذبح- . و قال لقبيصه بن ذؤيب- أنت رجل حديث السن فصيح اللسان- و إنه يكون في الرجل تسعة أخلاق حسنة- و خلق واحد سيئ- فيغلب الواحد التسعة فتوق عثرات السيئات- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 12 صفحهى 203
فأما إقراره بالهلاك لو لا تنبيه معاذ- فإنه يقتضي التعظيم و التفخيم لشأن الفعل- و لا يليق ذلك إلا بالتقصير الواقع- إما في الأمر برجمها مع العلم بأنها حامل- أو ترك البحث عن ذلك و المسألة عنه- و أي لوم عليه في أن يجري بقوله قتل من لا يستحق القتل- إذا لم يكن ذلك عن تفريط منه و لا تقصير- . قلت أما ظاهر لفظ معاذ فيشعر بما قاله المرتضى- و لم يمتنع أن يكون عمر لم يعلم أنها حامل- و أن معاذا قد كان من الأدب أن يقول له- حامل يا أمير المؤمنين- فعدل عن هذا اللفظ بمقتضى أخلاق العرب و خشونتهم- فقال له إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها- فنبهه على العلة و الحكم معا- و كان الأدب أن ينبهه على العلة فقط- . و أما عدول عمر عن أن يقول- أنا أعلم أن الحامل لا ترجم- و إنما أمرت برجمها- لأني لم أعلم أنها حامل- فلأنه إنما يجب أن يقول مثل هذا- من يخاف من اضطراب حاله- أو نقصان ناموسه و قاعدته أن لم يقله- و عمر كان أثبت قدما في ولايته- و أشد تمكنا من أن يحتاج إلى الاعتذار بمثل هذا- . و أما قول المرتضى- كان يجب أن يسأل عن الحمل- لأنه أحد الموانع من الرجم فكلام صحيح لازم- و لا ريب إن ترك السؤال عن ذلك نوع من الخطإ- و لكن المرتضى قد ظلم قاضي القضاة- لأنه زعم أنه ادعى أن ذلك صغيرة- ثم أنكر عليه ذلك و من أين له ذلك- و أي دليل دل على أن هذه المعصية صغيرة- و قاضي القضاة ما ادعى أن ذلك صغيرة- بل قال لا يمتنع أن يكون ذلك خطيئة و إن صغرت- و العجب أنه حكى لفظ قاضي القضاة بهذه الصورة- ثم قال إنه ادعى أنها صغيرة- و بين قول القائل لا يمتنع أن يكون صغيرة- و قوله هي صغيرة لا محالة فرق عظيم- .
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 13 صفحهى 18
رَوَى ذِعْلَبٌ الْيَمَامِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمنِيِنَ ع- فَقَالَ وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ النَّاسِ- إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِئُ طِينِهِمْ- وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا- وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا- فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ- وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهَا يَتَفَاوَتُونَ- فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ- وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ- وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ- وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ- وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ- وَ تَائِهُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ- وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ ذعلب و أحمد و عبد الله و مالك- رجال من رجال الشيعة و محدثيهم- و هذا الفصل عندي لا يجوز أن يحمل على ظاهره- و ما يتسارع إلى أفهام العامة منه- و ذلك لأن قوله- إنهم كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها- إما أن يريد به أن كل واحد من الناس ركب من طين- و جعل صورة بشرية طينية- برأس و بطن و يدين و رجلين- ثم نفخت فيه الروح كما فعل بآدم- أو يريد به أن الطين الذي ركبت منه صورة آدم فقط- كان مختلطا من سبخ و عذب- فإن أريد الأول فالواقع خلافه- لأن البشر الذين نشاهدهم- و الذين بلغتنا أخبارهم لم يخلقوا من الطين كما خلق آدم- و إنما خلقوا من نطف آبائهم- و ليس لقائل أن يقول لعل تلك النطف افترقت- لأنها تولدت من أغذية- مختلفة المنبت من العذوبة و الملوحة- و ذلك لأن النطفة لا تتولد من غذاء بعينه- بل من مجموع الأغذية- و تلك الأغذية لا يمكن أن تكون كلها- من أرض سبخة محضة في السبخية- لأن هذا من الاتفاقات التي يعلم عدم وقوعها- كما يعلم أنه لا يجوز أن يتفق- أن يكون أهل بغداد في وقت بعينه- على كثرتهم لا يأكلون ذلك اليوم إلا السكباج خاصة- و أيضا فإن الأرض السبخة- أو التي الغالب عليها السبخية- لا تنبت الأقوات أصلا- و إن أريد الثاني و هو أن يكون طين آدم ع- مختلطا في جوهره مختلفا في طبائعه- فلم كان زيد الأحمق يتولد من الجزء السبخي- و عمرو العاقل يتولد من الجزء العذبي- و كيف يؤثر اختلاف طين آدم- من ستة آلاف سنة في أقوام يتوالدون الآن- . و الذي أراه أن لكلامه ع تأويلا باطنا- و هو أن يريد به اختلاف النفوس المدبرة للأبدان- و كنى عنها بقوله مبادئ طينهم- و ذلك أنها لما كانت الماسكة للبدن من الانحلال- العاصمة له من تفرق العناصر- صارت كالمبدإ و كالعلة له من حيث إنها- كانت علة في بقاء امتزاجه- و اختلاط عناصره بعضها ببعض- و لذلك إذا فارقت عند الموت افترقت العناصر- و انحلت الأجزاء فرجع اللطيف منها إلى الهواء- و الكثيف إلى الأرض- . و قوله كانوا فلقة من سبخ أرض و عذبها- و حزن تربة و سهلها- تفسيره أن البارئ جل جلاله لما خلق النفوس- خلقها مختلفة في ماهيتها- فمنها الزكية و منها الخبيثة- و منها العفيفة و منها الفاجرة- و منها القوية و منها الضعيفة- و منها الجريئة المقدمة و منها الفشلة الذليلة- إلى غير ذلك من أخلاق النفوس المختلفة المتضادة- . ثم فسر ع و علل تساوي قوم في الأخلاق- و تفاوت آخرين فيها فقال- إن نفس زيد قد تكون مشابهة- أو قريبة من المشابهة لنفس عمرو- فإذا هما في الأخلاق متساويتان أو متقاربتان- و نفس خالد قد تكون مضادة لنفس بكر- أو قريبة من المضادة- فإذا هما في الأخلاق متباينتان أو قريبتان من المباينة- . و القول باختلاف النفوس في ماهياتها- هو مذهب أفلاطون- و قد اتبعه عليه جماعة من أعيان الحكماء- و قال به كثير من مثبتي النفوس من متكلمي الإسلام- . و أما أرسطو و أتباعه- فإنهم لا يذهبون إلى اختلاف النفوس في ماهيتها- و القول الأول عندي أمثل- . ثم بين ع اختلاف آحاد الناس- فقال منهم من هو تام الرواء لكنه ناقص العقل- و الرواء بالهمز و المد المنظر الجميل- و من أمثال العرب ترى الفتيان كالنخل- و ما يدريك ما الدخل- . و قال الشاعر
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 13 صفحهى 197
: أَنَا وَضَعْتُ بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ- وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ- وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ- وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ- وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ- وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ- وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ- وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ- وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ ص- مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ- يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ- وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ- وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ- يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً- وَ يَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ- وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ- فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي- وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ- غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا- أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ- وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ ص- فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ- فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ- إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى- إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ- وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ الباء في قوله بكلاكل العرب زائدة- و الكلاكل الصدور الواحد كلكل- و المعنى أني أذللتهم و صرعتهم إلى الأرض- . و نواجم قرون ربيعة و مضر- من نجم منهم و ظهر و علا قدره و طار صيته- . فإن قلت أما قهره لمضر فمعلوم فما حال ربيعة- و لم نعرف أنه قتل منهم أحدا- قلت بلى قد قتل بيده و بجيشه- كثيرا من رؤسائهم في صفين و الجمل- فقد تقدم ذكر أسمائهم من قبل- و هذه الخطبة خطب بها بعد انقضاء أمر النهروان- . و العرف بالفتح الريح الطيبة- و مضغ الشيء يمضغه بفتح الضاد- . و الخطلة في الفعل الخطأ فيه و إيقاعه على غير وجهه- . و حراء اسم جبل بمكة معروف- . و الرنة الصوت
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 15 صفحهى 293
قالوا لما سمت بنو أمية أبا هاشم مرض- فخرج من الشام وقيذا يؤم المدينة- فمر بالحميمة و قد أشفى- فاستدعى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس- فدفع الوصية إليه- و عرفه ما يصنع و أخبره بما سيكون من الأمر- و قال له إني لم أدفعها إليك من تلقاء نفسي- و لكن أبي أخبرني عن أبيه علي بن أبي طالب ع بذلك- و أمرني به و أعلمني بلقائي إياك في هذا المكان- ثم مات فتولى محمد بن علي تجهيزه و دفنه- و بث الدعاة حينئذ في طلب الأمر- و هو الذي قال لرجال الدعوة- و القائمين بأمر الدولة- حين اختارهم للتوجه و انتخبهم للدعاء- و حين قال بعضهم ندعو بالكوفة- و قال بعضهم بالبصرة و قال بعضهم بالجزيرة- و قال بعضهم بالشام و قال بعضهم بمكة- و قال بعضهم بالمدينة- و احتج كل إنسان لرأيه و اعتل لقوله- فقال محمد أما الكوفة و سوادها فشيعة علي و ولده- و أما البصرة فعثمانية تدين بالكف- و قبيل عبد الله المقتول يدينون بجميع الفرق- و لا يعينون أحدا- و أما الجزيرة فحرورية مارقة و الخارجية فيهم فاشية- و أعراب كأعلاج- و مسلمون في أخلاق النصارى- و أما الشام فلا يعرفون إلا آل أبي سفيان- و طاعة بني مروان عداوة راسخة و جهلا متراكما- و أما مكة و المدينة فقد غلب عليهما أبو بكر و عمر- و ليس يتحرك معنا في أمرنا هذا منهم أحد- و لا يقوم بنصرنا إلا شيعتنا أهل البيت- و لكن عليكم بخراسان- فإن هناك العدد الكثير و الجلد الظاهر- و صدورا سليمة و قلوبا مجتمعة- لم تتقسمها الأهواء و لم تتوزعها النحل- و لم تشغلها ديانة و لا هدم فيها فساد- و ليس لهم اليوم همم العرب- و لا فيهم تجارب كتجارب الأتباع مع السادات- و لا تحالف كتحالف القبائل- و لا عصبية كعصبية العشائر- و ما زالوا ينالون و يمتهون و يظلمون فيكظمون- و ينتظرون الفرج و يؤملون
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 18 صفحهى 137
و في عينيك ترجمة أراهاتدل على الضغائن و الحقودو أخلاق عهدت اللين فيهاغدت و كأنها زبر الحديدو قد عاهدتني بخلاف هذاو قال الله أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 18 صفحهى 205
- فاستحسن الناس ما قاله- و ذلك لأن الشقراني كان صاحب شراب- قالوا فانظر كيف أحسن السعي في استنجاز طلبته- و كيف رحب به و أكرمه مع معرفته بحاله- و كيف وعظه و نهاه عن المنكر على وجه التعريض- قال الزمخشري و ما هو إلا من أخلاق الأنبياء- . كتب سعيد بن حميد شفاعة لرجل- كتابي هذا كتاب معتن بمن كتب له- واثق بمن كتب إليه- و لن يضيع حامله بين الثقة و العناية إن شاء الله- . أبو الطيب
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 19 صفحهى 38
213: فِي تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ عِلْمُ جَوَاهِرِ الرِّجَالِ معناه لا تعلم أخلاق الإنسان- إلا بالتجربة و اختلاف الأحوال عليه- و قديما قيل- ترى الفتيان كالنخل و ما يدريك ما الدخل- . و قال الشاعر-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 19 صفحهى 78
- . و لهذا الحكم علة في العلم العقلي- و ذلك أن النفس عندهم غنية بذاتها مكتفية بنفسها- غير محتاجة إلى شيء خارج عنها- و إنما عرضت لها الحاجة و الفقر إلى ما هو خارج عنها- لمقارنتها الهيولى- و ذلك أن أمر الهيولى بالضد- من أمر النفس في الفقر و الحاجة- و لما كان الإنسان مركبا من النفس و الهيولى- عرض له الشوق إلى تحصيل العلوم و القنيات- لانتفاعه بهما و التذاذه بحصولهما- فأما العلوم فإنه يحصلها في شبيه بالخزانة له- يرجع إليها متى شاء و يستخرج منها ما أراد- أعني القوى النفسانية التي هي محل الصور و المعاني- على ما هو مذكور في موضعه- و أما القنيات و المحسوسات- فإنه يروم منها مثل ما يروم من تلك- و أن يودعها خزانة محسوسة خارجة عن ذاته- لكنه يغلط في ذلك من حيث يستكثر منها- إلى أن يتنبه بالحكمة على ما ينبغي أن يقتني منها- و إنما حرص على ما منع- لأن الإنسان إنما يطلب ما ليس عنده- لأن تحصيل الحاصل محال- و الطلب إنما يتوجه إلى المعدوم لا إلى الموجود- فإذا حصله سكن و علم أنه قد ادخره- و متى رجع إليه وحده إن كان مما يبقى بالذات- خزنه و تشوق إلى شيء آخر منه- و لا يزال كذلك إلى أن يعلم أن الجزئيات لا نهاية لها- و ما لا نهاية له فلا مطمع في تحصيله- و لا فائدة في النزوع إليه- و لا وجه لطلبه سواء كان معلوما أو محسوسا- فوجب أن يقصد من المعلومات إلى الأهم- و من المقتنيات إلى ضرورات البدن و مقيماته- و يعدل عن الاستكثار منها- فإن حصولها كلها مع أنها لا نهاية لها غير ممكن- و كلما فضل عن الحاجة و قدر الكفاية- فهو مادة الأحزان و الهموم و ضروب المكاره- و الغلط في هذا الباب كثير- و سبب ذلك طمع الإنسان في الغنى من معدن الفقر- لأن الفقر هو الحاجة- و الغنى هو الاستقلال إلى أن يحتاج إليه- و لذلك قيل إن الله تعالى غني مطلقا- لأنه غير محتاج البتة- فأما من كثرت قنياته فإنه- يستكثر حاجاته بحسب كثرة قنياته- و على قدرها رغبه إلى الاستكثار بكثرة وجوه فقره- و قد بين ذلك في شرائع الأنبياء و أخلاق الحكماء- فأما الشيء الرخيص الموجود كثيرا فإنما يرغب عنه- لأنه معلوم أنه إذا التمس وجد- و الغالي فإنما يقدر عليه في الأحيان- و يصيبه الواحد بعد الواحد- و كل إنسان يتمنى أن يكون ذلك الواحد ليصيبه- و ليحصل له ما لا يحصل لغيره
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 19 صفحهى 283
371: الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ الِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ- وَ كَفَى أَدَباً لِنَفْسِكَ تَجَنُّبُكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ قد تقدم القول في نحو هذا- و في المثل كفى بالاعتبار منذرا- و كفى بالشيب زاجرا و كفى بالموت واعظا- و قد سبق القول- في وجوب تجنب الإنسان ما يكرهه من غيره- . و قال بعض الحكماء- إذا أحببت أخلاق امرئ فكنه- و إن أبغضتها فلا تكنه- أخذه شاعرهم فقال-
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 19 صفحهى 324
389: احْذَرْ أَنْ يَرَاكَ اللَّهُ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ- وَ يَفْقِدَكَ عِنْدَ طَاعَتِهِ- فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ- وَ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ- وَ إِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ من علم يقينا أن الله تعالى يراه عند معصيته- كان أجد الناس أن يجتنبها- كما إذا علمنا يقينا أن الملك يرى الواحد منا- و هو يراود جاريته عن نفسها- أو يحادث ولده ليفجر به- و لكن اليقين في البشر ضعيف جدا- أو أنهم أحمق الحيوان و أجهله و بحق أقول- إنهم إن اعتقدوا ذلك اعتقادا لا يخالطه الشك- ثم واقعوا المعصية- و عندهم عقيدة أخرى ثابتة- أن العقاب لاحق بمن عصى- فإن الإبل و البقر أقرب إلى الرشاد منهم- . و أقول إن الذي جرأ الناس على المعصية- الطمع في المغفرة و العفو العام- و قولهم الحلم و الكرم و الصفح- من أخلاق ذوي النباهة و الفضل من الناس- فكيف لا يكون من الباري سبحانه عفو عن الذنوب- . و ما أحسن قول شيخنا أبي علي رحمه الله- لو لا القول بالإرجاء لما عصي الله في الأرض
شرحنهج..(ابنأبيالحديد) ج 20 صفحهى 88
449 وَ قَالَ ع: الْوِلَايَاتُ مَضَامِيرُ الرِّجَالِ أي تعرف الرجال بها كما تعرف الخيل بالمضمار- و هو الموضع أو المدة التي تضمر فيها الخيل- فمن الولاة من يظهر منه أخلاق حميدة- و منهم من يظهر منه أخلاق ذميمة- و قال الشاعر-
+ نوشته شده در یکشنبه بیست و هفتم فروردین ۱۳۸۵ ساعت 11:38 توسط میرشاعرعلی
|